عقيدة "العماليق" وهوس البقاء: كيف تُهندس الإبادة في رأس نتنياهو؟

عقيدة "العماليق" وهوس البقاء: كيف تُهندس الإبادة في رأس نتنياهو؟ عندما يقف بنيامين نتنياهو أمام الكاميرات، بملامحه الجامدة وصوته الرتيب، لا يتحدث مجرد "رئيس وزراء" يخوض حرباً عسكرية رداً على هجوم. في رأس هذا الرجل، تدور معركة مختلفة تماماً؛ معركة لا تخضع لقوانين جنيف ولا لحسابات السياسة التقليدية. إن ما نراه في غزة من إبادة وتدمير ممنهج ليس "أضراراً جانبية" أو "فقداناً للسيطرة"، بل هو التطبيق العملي لما يدور في رأس نتنياهو. لفهم "الإبادة"، يجب أن نفهم المكونات الثلاثة التي تشكل وعي هذا الرجل: 1. عقدة "الأب" والتاريخ الكارثي نشأ نتنياهو في ظل والده بنتسيون نتنياهو، المؤرخ المتشدد المتخصص في محاكم التفتيش الإسبانية. ورث بيبي عن والده نظرة "كارثية" للتاريخ اليهودي، مفادها أن العالم كله معادٍ للسامية، وأن "الأغيار" (غير اليهود) يتحينون الفرصة دائماً لإبادة اليهود. في رأسه: الفلسطيني ليس جاراً أو شريكاً محتملاً، بل هو امتداد تاريخي للرومان، وللصليبيين، وللنازيين. النتيجة: القوة المفرطة هي اللغة الوحيدة. الإبادة في نظره ليست جريمة، بل هي "ضربة استباقية" لمنع إبادة اليهود (حسب وسواسه القهري التاريخي). هو يرى نفسه "تشرشل" الذي يواجه النازية، وهذا الوهم بالعظمة يبرر له حرق مدينة بأكملها لإنقاذ "الحضارة". 2. استحضار "العماليق": الغطاء الديني للإبادة لم تكن زلة لسان حين استشهد نتنياهو بالنص التوراتي: "اذكر ما فعله بك عماليق". في الموروث الديني اليهودي، الأمر الإلهي بخصوص "العماليق" واضح ومرعب: "لا تعفُ عنهم، بل اقتل رجلاً وامرأة، طفلاً ورضيعاً". في رأسه: بتحويل الحرب من صراع سياسي على الأرض إلى "حرب دينية مقدسة" بين أبناء النور وأبناء الظلام، يسقط نتنياهو عنه أي حرج أخلاقي. النتيجة: الأطفال في غزة ليسوا أبرياء في عقيدته الحالية، بل هم "نسل العماليق" أو مشاريع أعداء مستقبليين. هذا النص الديني يمنحه "رخصة إلهية" للإبادة، ويخدر ضمير الجنود الذين يضغطون على الزناد. 3. "أنا الدولة والدولة أنا": حرب البقاء الشخصي بعيداً عن الأيديولوجيا، هناك "الوحش السياسي" الجريح. نتنياهو يدرك أن نهاية الحرب تعني نهاية مسيرته السياسية، وربما دخوله السجن في قضايا الفساد. في رأسه: معادلة صفرية مرعبة: "إما غزة أو أنا". لكي يبقى هو رئيساً للوزراء، يجب أن تستمر الحرب، ولكي تستمر الحرب، يجب أن تكون الأهداف مستحيلة التحقيق (النصر المطلق). النتيجة: الإبادة هنا هي أداة وظيفية لإطالة أمد الصراع. التدمير الشامل يشتري له الوقت، ويشبع رغبات اليمين المتطرف (بن غفير وسموتريتش) الذي يبتزه في الحكومة. غزة تحترق لكي يبقى كرسي نتنياهو دافئاً. 4. هندسة "الكيّ" وتغيير الواقع في العمق الاستراتيجي لعقل نتنياهو، هناك رغبة قديمة في "حسم الصراع" بالقوة وليس بالتفاوض. هو يؤمن بنظرية "الجدار الحديدي" (لجابوتنسكي). في رأسه: الحل الوحيد للقضية الفلسطينية هو جعل حياة الفلسطينيين مستحيلة، ودفعهم لليأس التام من فكرة الدولة. النتيجة: تحويل غزة إلى مكان "غير قابل للحياة" ليس عشوائياً. تدمير الجامعات، المستشفيات، وسجلات النفوس، وتجريف الأراضي الزراعية، هدفه هندسة واقع جديد لا يمكن فيه المطالبة بدولة، بل المطالبة فقط بـ "خيمة ومساعدات". الإبادة هنا هي مشروع سياسي لتصفية القضية. الخلاصة: العدمية القاتلة الإبادة في رأس نتنياهو هي مزيج سام من الخوف التاريخي، والتطرف الديني، والأنانية السياسية. إنه رجل مستعد لإشعال الشرق الأوسط بأكمله، والتضحية بسمعة إسرائيل الدولية، وحتى التضحية بالأسرى الإسرائيليين أنفسهم، في سبيل تحقيق "صورة نصر" وهمية ترضي غروره وتؤمن بقاءه. الخطر الحقيقي ليس في أن نتنياهو لا يعرف ما يفعل، بل في أنه يعرف تماماً ما يفعل، ويعتقد -بكل جوارحه- أنه يقوم بمهمة مقدسة وتاريخية، مما يجعله محصناً ضد أي نداء للعقل أو الإنسانية.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كلنا على الفقير وضده

الانتقام في ميزان التخاذل

اخبروا الله