مقال لماذا أنشئت إسرائيل ولم تنشأ فلسطين؟
مقال لماذا أنشئت إسرائيل ولم تنشأ فلسطين؟
هذا سؤال جوهري في التاريخ السياسي للشرق الأوسط. إن إجابة هذا التساؤل تكمن في تلاقي مجموعة من العوامل التاريخية والاستراتيجية والسياسية التي أدت إلى تهيئة الظروف لإنشاء دولة إسرائيل في عام 1948، بينما واجه المشروع الفلسطيني الفشل، ويرجع ذلك إلى عوامل تداخلت فيها الإرادة الدولية، القوة العسكرية، والبنية المؤسسية لكل طرف.
1. الأساس المؤسسي والتحضير الصهيوني
السبب الأعمق لنجاح إسرائيل في التأسيس هو وجود مشروع سياسي منظم وفاعل قبل عقود من إعلان الدولة، بينما غاب هذا التنظيم الموحد عن الجانب الفلسطيني:
القيادة الموحدة (الوكالة اليهودية): أنشأت الحركة الصهيونية هيكلاً شبه حكومي (الوكالة اليهودية) كان يعمل كوزارة خارجية، ووزارة مالية، ووزارة دفاع (عبر الهاجاناه)، مما أتاح لها بناء مؤسسات الدولة وتمويلها وإدارتها فعلياً تحت غطاء الانتداب البريطاني.
القوة العسكرية (الهاجاناه): كان للحركة الصهيونية قوة عسكرية منظمة ومدربة (الهاجاناه) كانت جاهزة للدفاع عن إعلان الدولة وتوسيع حدودها بالقوة.
الدعم الدولي المبكر: النجاح في الحصول على وعد بلفور عام 1917 والدعم الأوروبي، ثم التعاطف العالمي بعد الحرب العالمية الثانية والمحرقة (الهولوكوست)، مما وفر غطاءً شرعياً وأخلاقياً لمشروع الدولة اليهودية في المحافل الدولية.
2. القرار الدولي: خطة التقسيم (1947)
كانت نقطة التحول الرئيسية هي قرار الأمم المتحدة رقم 181 عام 1947، والذي نصّ على إنشاء دولتين (دولة عربية ودولة يهودية) على أرض فلسطين الانتدابية.
القبول الصهيوني: قبلت القيادة الصهيونية بالقرار فوراً، رغم تحفظها على الحدود، لأنه وفر الغطاء الشرعي لإقامة الدولة.
الرفض العربي: رفضت القيادات العربية والفلسطينية القرار رفضاً مطلقاً لأنه كان ينتهك حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني على كامل أرضه. هذا الرفض أدى إلى ضياع فرصة إنشاء الدولة الفلسطينية في الإطار الذي حددته الأمم المتحدة.
3. الحرب الكبرى (1948): العامل العسكري الحاسم
كانت حرب 1948 (التي يسميها الفلسطينيون "النكبة") هي العامل المباشر الذي أدى إلى قيام إسرائيل وعدم قيام فلسطين:
التفوق العسكري والتوحيد: استطاعت القوات الصهيونية (الهاجاناه) أن تعمل تحت قيادة موحدة وتنسيق فعال، وتمكنت من التفوق عسكرياً على القوات العربية غير الموحدة وغير المنسقة.
الضعف المؤسسي الفلسطيني: كان الفلسطينيون يفتقرون إلى قوات عسكرية منظمة على مستوى الجيش، كما كانوا يعانون من ضعف في القيادة السياسية الموحدة بعد ثورة 1936 وإبعاد العديد من قادتهم.
الاستراتيجية العربية الفاشلة: دخلت الجيوش العربية الحرب، لكن استراتيجيتها لم تكن لإنشاء دولة فلسطينية مستقلة بقدر ما كانت لحماية مصالحها أو لتقسيم الأراضي المتبقية، مما أدى إلى:
سيطرة الأردن على الضفة الغربية (وضمها لاحقاً).
سيطرة مصر على قطاع غزة (إدارياً).
النتيجة: لم تُعلن دولة عربية فلسطينية مستقلة، بل تم توزيع الأراضي المتبقية على دول الجوار.
4. استمرار التحدي: غياب السيادة
على عكس إسرائيل التي أعلنت قيامها في مايو 1948، لم تقم الدولة الفلسطينية في تلك اللحظة الحاسمة. وبقيت الأراضي الفلسطينية خاضعة إما للاحتلال الإسرائيلي (بعد 1967)، أو لسيطرة إدارية من دول الجوار.
الخلاصة: أُنشئت إسرائيل بفعل إرادة سياسية صهيونية منظمة، ودعم دولي فعال، وتفوق عسكري حاسم في حرب 1948. بينما فُقدت الفرصة لإنشاء فلسطين بسبب الرفض العربي لخطة التقسيم، وغياب المؤسسات الفلسطينية الموحدة الجاهزة للحكم، والفشل العسكري في 1948 الذي أدى إلى احتلال أو ضم الأراضي المخصصة للدولة الفلسطينية من قبل إسرائيل والأردن ومصر. وظل حلم الدولة الفلسطينية مشروعاً مؤجلاً يُكافح من أجل تجسيده حتى يومنا هذا.
تعليقات