الانقسام الفلسطيني هو جرح داخلي أعمق من سيف الاحتلال
الانقسام الفلسطيني هو جرح داخلي أعمق من سيف الاحتلال
لاننا نؤمن بان الوحدة هي قانون الانتصار ولطالما كان الاحتلال الإسرائيلي هو العدو المشترك والسبب الرئيسي لمعاناة الشعب الفلسطيني. لكن على مدى عقدين من الزمن، ترسخت قناعة مؤلمة لدى الكثيرين: أن الانقسام السياسي الفلسطيني بين حركتي فتح وحماس أصبح عبئاً على القضية الوطنية، بل أسوأ من الاحتلال نفسه في إضعاف فرص التحرر وإقامة الدولة.
تقسيم الجسد وتشويه القضية
الاحتلال قوة خارجية مفروضة، يمكن مقاومتها وتوحيد الصف ضدها. أما الانقسام، فهو مرض داخلي، يفتك بالجسد الوطني من الداخل، ويحوله من مشروع تحرير إلى صراع على السلطة والنفوذ.
1. شلل الإرادة الوطنية
حكومتان لا دولة: أدى الانقسام إلى وجود سلطتين فعليتين: السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية وحركة حماس التي تدير قطاع غزة. هذا التجزؤ ليس جغرافياً فحسب، بل سياسياً وقانونياً وإدارياً. النتيجة هي غياب صوت فلسطيني موحد في المحافل الدولية، مما يُسهل على إسرائيل والمجتمع الدولي التعامل مع الفلسطينيين ككيانات متفرقة وليس كدولة واحدة تسعى للتحرير.
إضعاف المفاوضات: أي مفاوضات أو مبادرات سلام تفقد مصداقيتها فوراً لأنها لا تمثل إلا جزءاً من الشعب الفلسطيني. هذا يمنح إسرائيل ذريعة دائمة لعدم الالتزام أو لرفض المضي قدماً بحجة عدم وجود شريك فلسطيني موحد قادر على تطبيق الاتفاقيات.
2. تدمير المجتمع
بينما يركز الاحتلال على التحكم في الأرض والموارد، يعمل الانقسام على تدمير النسيج الاجتماعي الفلسطيني وتقويض مفهوم سيادة القانون.
التبعات الاقتصادية والإنسانية: يعاني قطاع غزة، تحت الحصار والانقسام، من أزمة اقتصادية وإنسانية خانقة. تتقاذف الفصائل المسؤولية، في وقت يتفاقم فيه الفقر والبطالة. هذه المعاناة لا تصب إلا في مصلحة الاحتلال الذي يجد بيئة مثالية لفرض سياساته.
انعدام المساءلة: أدى الانقسام إلى شل المؤسسات الديمقراطية. غابت الانتخابات الدورية، وتوقف عمل المجلس التشريعي، مما أتاح مساحة لترسيخ الفساد وغياب المساءلة في كلا الضفتين، الأمر الذي يغذي اليأس الشعبي.
3. خدمة الرواية الإسرائيلية
من أخطر تداعيات الانقسام أنه يخدم الرواية الإسرائيلية التي تزعم أن الفلسطينيين غير قادرين على إدارة أنفسهم أو تحقيق السلام. وجود سلطتين متناحرتين يعطي إسرائيل مبرراً لـ "إدارة الصراع" بدلاً من حله، ويساعدها في ترسيخ سياسة "فرّق تسد".
الاحتلال يقوم بتقسيم الأرض، لكن الانقسام يقوم بتقسيم الشعب والهدف والمصير.
الوحدة هي الأولوية
للتغلب على الاحتلال، يحتاج الفلسطينيون إلى ثلاث ركائز: الإرادة الموحدة، والمؤسسات الشرعية، والرؤية الوطنية الواضحة. كل هذه الركائز انهارت أمام صراع الفصائل على الكراسي.
إن استمرار هذا الانقسام يمثل خيانة للقضية وتضحيات الأجيال السابقة. إنهاء الاحتلال يبدأ بإنهاء الانقسام. فالعدو الحقيقي الذي يجهض حلم الدولة الفلسطينية المستقلة اليوم ليس الساتر العسكري أو الجدار الفاصل، بل هو الجدار السياسي والنفسي الذي شيده الفلسطينيون بأنفسهم بين رام الله وغزة.
وهذا المقال يعكس وجهة نظر قاسية ومؤلمة موجودة لدى العديد من الفلسطينيين والمراقبين. البحث الذي أجريته يؤكد أن المحللين السياسيين الفلسطينيين يشددون على أن تضارب المصالح والأجندات الفئوية الضيقة لدى قيادات حركتي فتح وحماس هي السبب الرئيسي في فشل جميع مبادرات المصالحة، وأن هذا الانقسام يخدم بشكل مباشر استراتيجية إسرائيل لـ "فرق تسد.
الانقسام الفلسطيني: سكين في ظهر القضية الوطنية
لا يوجد فلسطيني يجادل في أن الاحتلال الإسرائيلي هو مصدر العذاب والقهر. لكن الاحتلال قوة واضحة المعالم، يُمكن تجميع الصفوف لمقاومتها. في المقابل، يرى كثيرون اليوم أن الانقسام الفلسطيني الداخلي هو آفة خفية، تنخر في أسس الدولة المنشودة، وتجعل النضال من أجل التحرير مجرد شعار أجوف. وبكل مرارة، يمكن القول إن الانقسام بات أسوأ من الاحتلال في تداعياته، لأنه يطعن القضية الوطنية من الظهر.
تدمير الذات قبل مواجهة العدو
الاحتلال يسعى لتقسيم الأرض جغرافياً، لكن الانقسام نجح في تقسيم الكيان السياسي والهوية الوطنية. وقد أدى هذا الشرخ إلى عواقب وخيمة:
انعدام شريك السلام الشرعي: يوفر الانقسام لإسرائيل ذريعة ذهبية للتهرب من الالتزامات الدولية والمفاوضات الجادة. فكيف يمكن المضي في عملية سلام أو إقامة دولة مع طرفين متناحرين لا يمثل أي منهما كامل الشعب؟
تحويل القضية من تحرير إلى صراع على السلطة: تحولت طاقة الحركة الوطنية الفلسطينية من مواجهة الاحتلال إلى تنافس داخلي مرير على السلطة والموارد والنفوذ بين الضفة الغربية وقطاع غزة، مما أفقد القضية احترامها وهيبتها أمام العالم، وحول الاهتمام الدولي بها إلى مجرد اهتمامات إنسانية في الغالب.
كذلك تحولت الاراضي الفلسطينية الى مكان لعربدة الاحتلال جنودا ومستوطين والة قتل سهلة لهم دون حساب او عقاب او حتى مقاومة في الفترة الاخيرة.
المصالح الفئوية أولاً: يؤكد المحللون أن المصالح الاقتصادية والسياسية الملموسة التي تعززت من حالة الانقسام لدى طرفي النزاع تتفوق على متطلبات إنهائه. حيث يفضل كل طرف التمسك بأجندته الخاصة والفئوية على حساب الرؤية الوطنية الجامعة.
الانقسام يعكس إرادة الضعف
في حين يمثل الاحتلال رمزاً للقوة المعادية، يمثل الانقسام رمزاً لضعف الإرادة الذاتية وقصور الرؤية القيادية. إن سياسة "فرّق تسد" التي لطالما اتبعها الاحتلال لم تكن لتنجح بهذا القدر لولا وجود طرفين فلسطينيين متعطشين للمكاسب الفئوية.
تجميد المؤسسات: أدى الخلاف إلى شلل المؤسسة التشريعية وتعطيل الانتخابات، مما يغيب صوت الشعب ويعمق حالة اليأس وعدم الثقة في النظام السياسي برمته، ويشوه مفهوم الشرعية التمثيلية للشعب الفلسطيني.
البقاء على الوضع الراهن: إن التحدي الحقيقي ليس فقط في التوصل إلى اتفاق مصالحة شكلي، بل في تنفيذ استحقاقاته الحقيقية، بما في ذلك التوافق على برنامج سياسي وطني موحد، وملف الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس.
تعليقات