احتجاز اموال المقاصة سلاح تجويع جماعي للفلسطينيين

القرصنة المقننة: احتجاز أموال "المقاصة" وسلاح التجويع الجماعي للفلسطينيين في ظل ضجيج المدافع والقصف، تدور حرب أخرى صامتة ولكنها قاتلة، ساحتها البنوك والأرقام، وهدفها تجفيف منابع الحياة للفلسطينيين. إنها حرب "أموال المقاصة"، حيث تنتهك إسرائيل الاتفاقيات الموقعة وتستخدم الأموال الفلسطينية كأداة للابتزاز السياسي والعقاب الجماعي، في مخالفة صريحة للقوانين الدولية والاتفاقيات الثنائية. ما هي "المقاصة"؟ ولماذا هي حق وليست منحة؟ لفهم فداحة الانتهاك، يجب توضيح طبيعة هذه الأموال. أموال المقاصة هي عائدات الضرائب والجمارك التي تفرضها إسرائيل على السلع المستوردة إلى الضفة الغربية وقطاع غزة عبر الموانئ والمعابر الإسرائيلية. الأساس القانوني: وفقاً لـ بروتوكول باريس الاقتصادي (1994)، المنظم للعلاقة الاقتصادية بين الطرفين، تقوم إسرائيل بجمع هذه الضرائب نيابة عن السلطة الفلسطينية مقابل عمولة إدارية (3%)، ثم تحول المبلغ المتبقي للسلطة شهرياً. الأهمية: تشكل هذه الأموال حوالي 60-70% من إيرادات السلطة الفلسطينية، وهي "شريان الحياة" الذي يغطي رواتب الموظفين (أطباء، معلمين)، وتكاليف الصحة، والتعليم، والكهرباء. إذن، هذه الأموال فلسطينية خالصة دفعها المواطن أو التاجر الفلسطيني، وليست مساعدات أو هبات إسرائيلية يمكن قطعها كإجراء عقابي. الانتهاك القانوني: خرق لبروتوكول باريس قيام إسرائيل باحتجاز هذه الأموال أو اقتطاع أجزاء منها يُعد انتهاكاً مركباً: خرق تعاقدي: ينص بروتوكول باريس بوضوح على آلية تحويل هذه الأموال دون تأخير. أي تأخير أو اقتطاع أحادي الجانب ينسف جوهر الاتفاقية. سرقة موصوفة: من الناحية القانونية، استيلاء طرف على أموال طرف آخر دون وجه حق يُصنف كسرقة أو "قرصنة"، حتى لو غلفتها إسرائيل بتشريعات داخلية (مثل قانون خصم مخصصات الأسرى). انتهاك للقانون الدولي: استخدام أموال المدنيين كأداة ضغط سياسي يندرج تحت بند "العقاب الجماعي" المحرم وفق اتفاقيات جنيف، حيث يتضرر المجتمع بأكمله وليس الأفراد المستهدفين فقط. ذرائع الاقتطاع وسيناريو الانهيار تستخدم إسرائيل ذرائع متعددة لقرصنة هذه الأموال: مخصصات الأسرى والشهداء: تقوم بخصم مبالغ تعادل ما تدفعه السلطة لعائلات الأسرى والشهداء، في محاولة لتجريم النضال الفلسطيني. حصة غزة: بعد حرب 7 أكتوبر، قررت إسرائيل اقتطاع حصة قطاع غزة من المقاصة (التي تغطي رواتب أطباء غزة ومصاريف الكهرباء والماء)، بحجة عدم تمويل "الإرهاب"، وهو ما رفضته السلطة الفلسطينية معتبرة إياه خطوة لفصل غزة عن الضفة. النتيجة الكارثية: أدى هذا السلوك إلى عجز السلطة الفلسطينية عن دفع رواتب موظفيها كاملة لسنوات، وتراكم الديون، وانهيار الخدمات العامة، مما يدفع الاقتصاد الفلسطيني نحو حافة الهاوية والكساد. الخلاصة إن حجب أموال المقاصة ليس إجراءً إدارياً، بل هو سلاح سياسي يهدف إلى تركيع الفلسطينيين عبر تجويعهم، وتقويض مؤسساتهم، ودفعهم نحو الفوضى. إن العالم الذي يتحدث عن "حل الدولتين" أو عن الاستقرار، يقف عاجزاً أمام سطوة الاحتلال على مقدرات الشعب الفلسطيني المالية. لا يمكن الحديث عن سلام أو استقرار بينما يتحكم الاحتلال في قوت يوم الفلسطيني، ويصادر أمواله بقرارات عسكرية تعسفية. إن استعادة السيطرة الكاملة على المعابر والموارد المالية هي الخطوة الأولى نحو التحرر من هذا الابتزاز الدائم.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كلنا على الفقير وضده

الانتقام في ميزان التخاذل

اخبروا الله