في مواجهة الإبادة: خارطة طريق فلسطينية للبقاء وانتزاع الحياة

في مواجهة الإبادة: خارطة طريق فلسطينية للبقاء وانتزاع الحياة لم يعد السؤال اليوم في فلسطين: "أي حل سياسي نريد؟"، بل أصبح السؤال الأكثر إلحاحاً ووحشية: "كيف ننجو كشعب وكقضية؟". فالحرب الدائرة في غزة، وتصاعد الاستيطان في الضفة، ليسا مجرد جولة عسكرية، بل هما تطبيق عملي لمخطط يهدف لإنهاء الوجود الفلسطيني تماماً. أمام هول "الإبادة"، يسقط المنطق التقليدي، ويصبح على الفلسطينيين -قيادةً وشعباً وفصائل- تبني استراتيجية "الضرورة القصوى" التي تقوم على الركائز التالية: 1. الصمود في الأرض: إسقاط "النكبة الثانية" الهدف الاستراتيجي الأول للحرب الحالية هو التهجير. إفراغ غزة ودفع سكانها نحو سيناء، ومن ثم تطبيق السيناريو ذاته في الضفة نحو الأردن. المطلوب: رغم الجحيم، فإن البقاء فوق الأرض (أو تحتها) هو أعظم فعل مقاوم. كل خيمة تُنصب فوق ركام منزل مهدم في شمال غزة هي "انتصار استراتيجي" يمنع إسرائيل من إعادة رسم الخريطة الديموغرافية. التمسك بالأرض هو خط الدفاع الأخير الذي لا يجوز اختراقه. 2. "انهاء انقسام": تشكيل قيادة طوارئ وطنية لقد تجاوز الواقع خلافات "فتح" و"حماس". الدم المسفوك في غزة لا يميز بين راية صفراء وأخرى خضراء. المطلوب: الإعلان الفوري عن تشكيل "قيادة طوارئ وطنية موحدة". لا مجال الآن للحديث عن حكومات تكنوقراط ترضي الغرب، بل قيادة حرب وصمود تضم الجميع (المنظمة، حماس، الجهاد، والشخصيات المستقلة). هذه القيادة يجب أن تتحدث بصوت واحد أمام العالم: "أوقفوا العدوان"، وتقطع الطريق على محاولات إسرائيل للاستفراد بكل فصيل على حدة أو خلق إدارات عشائرية بديلة. 3. حماية "الجبهة الداخلية" من الانهيار تراهن إسرائيل على الفوضى الداخلية، والجوع، وانتشار الجريمة والسرقة لتأليب الحاضنة الشعبية ضد المقاومة وتفكيك المجتمع. المطلوب: تفعيل لجان الحماية الشعبية والتكافل الاجتماعي بأعلى مستوياته. "من يملك رغيفاً يقتسمه مع جاره". الحفاظ على السلم الأهلي ومنع الاحتكار والسرقات في ظل غياب الشرطة هو واجب وطني وثوري. المجتمع المتماسك هو الوحيد القادر على احتضان المقاومة وتحمل كلفة الحرب. 4. إشعال الضفة بالمقاومة الشعبية: وحدة الساحات "الشعبية" لا يمكن لغزة أن تُذبح وحدها بينما الضفة تراقب أو تكتفي بالمسيرات الخجولة. الهدوء في الضفة الغربية هو مصلحة إسرائيلية عليا للاستفراد بغزة. المطلوب: تحويل الضفة إلى ساحة مواجهة شعبية شاملة (عصيان مدني، إضرابات، مواجهة المستوطنين، قطع طرق). يجب أن يشعر الاحتلال أن كلفة الإبادة في غزة ستكون انفجاراً لا يمكن السيطرة عليه في الضفة والقدس. هذا يتطلب من أجهزة الأمن الفلسطينية -على الأقل- رفع يدها عن الشارع ووقف التنسيق الأمني فعلياً. 5. حرب الرواية: كل هاتف كاميرا، كل مغترب سفير المعركة الإعلامية والقانونية لا تقل ضراوة. إسرائيل تنفق الملايين لتشويه الضحية. المطلوب: توثيق كل جريمة. مخاطبة العالم بلغاته. دور الفلسطينيين في الشتات محوري هنا؛ هم الجسر الذي ينقل السردية الفلسطينية للجامعات والبرلمانات والشوارع الغربية. يجب محاصرة إسرائيل قانونياً في محكمة العدل والجنايات الدولية، وجعلها دولة "منبوذة" أخلاقياً. 6. مراجعة سياسية شاملة: وداعاً لأوهام الماضي أثبتت الإبادة الحالية موت مسار "أوسلو" وحل الدولتين عبر المفاوضات الثنائية برعاية أمريكية. المطلوب: تبني استراتيجية وطنية جديدة قائمة على "وحدة الأرض والشعب"، وسحب الاعتراف بإسرائيل ما لم تعترف بالدولة الفلسطينية، والذهاب نحو خيارات بديلة (الدولة الواحدة، أو النضال ضد نظام الفصل العنصري/الأبارتهايد). لم يعد هناك ما يُخسر. الخلاصة: أكون أو لا أكون الفلسطينيون اليوم أمام لحظة مصيرية: "نكون أو لا نكون". النصر في هذه المرحلة لا يعني بالضرورة هزيمة الجيش الإسرائيلي عسكرياً بالضربة القاضية، بل يعني إفشال أهدافه. إذا بقي الفلسطيني في أرضه، وتوحدت بندقيته وكلمته، وحافظ على كرامته وسط الركام، فإن الإبادة تفشل، ومن رحم هذا الفشل سيولد مستقبل فلسطيني جديد، معمّد بالدم لكنه حر من الأوهام.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كلنا على الفقير وضده

الانتقام في ميزان التخاذل

اخبروا الله