لا نزع سلاح المقاومة الا بحل سياسي
نزع سلاح المقاومة في غزة: هل "النصر المطلق" ممكن أم مجرد وهم استراتيجي؟
أعلنت القيادة الإسرائيلية أن هدفها الرئيس من حربها الأخيرة هو تدمير القدرات العسكرية لحركة حماس وفصائل المقاومة الأخرى في غزة، بما في ذلك نزع سلاحها بالكامل. هذا الهدف، الذي يُطلق عليه "النصر المطلق"، يبدو على الورق مطلباً أمنياً واضحاً، لكنه في الواقع تحدٍ وجودي يواجه عقبات شبه مستحيلة التحقيق، ليس فقط بسبب تعقيدات غزة العسكرية، بل بسبب عمقها السياسي والاجتماعي.
________________________________________
1. التحدي العسكري: "المدينة الجوفية" والحرب الحضرية
الهدف العسكري المتمثل في نزع سلاح المقاومة يواجه ثلاثة تحديات ميدانية كبرى:
• شبكة الأنفاق (المدينة الجوفية): لا يزال الجزء الأكبر من البنية التحتية القيادية والتخزينية للمقاومة موجوداً في شبكة الأنفاق. تدمير هذه الشبكة بالكامل يتطلب إما احتلالاً برياً شاملاً ومكلفاً جداً، أو استخدام طرق قصف قد تؤدي إلى انهيار الشبكة على المدنيين. وفي كلتا الحالتين، يستحيل ضمان تدمير 100% من السلاح والمخازن.
• قدرات التصنيع المحلية: لا تعتمد المقاومة على تهريب السلاح فحسب، بل على تصنيع معظم صواريخها وعبواتها محلياً. هذه الورش والمصانع هي غالباً غرف صغيرة أو تحت الأرض، ومن السهل نسبياً إعادة بنائها فور توقف القتال. فما دام هناك مهندسون ورغبة في المقاومة، سيعود التصنيع.
• حرب العصابات الحضرية: تفكيك السلاح الفردي (البنادق والذخائر) في مناطق مدنية مكتظة يتطلب تفتيشاً دقيقاً من منزل لمنزل وفرض حظر تجول دائم، وهو ما يحول أي وجود إسرائيلي في غزة إلى "احتلال" مفتوح، مما يولد مقاومة جديدة لا تنتهي.
________________________________________
2. العقبة السياسية: سلاح الأيديولوجيا والحاضنة الشعبية
التهديد الأكبر لإمكانية نزع السلاح ليس عسكرياً، بل سياسياً واجتماعياً. فالسلاح في غزة ليس مجرد "أداة"، بل هو رمز:
• رمز الصمود: يرى جزء كبير من المجتمع الفلسطيني أن السلاح هو الضمانة الوحيدة لأمنهم ضد أي هجوم إسرائيلي مستقبلي، ووسيلتهم الوحيدة للدفاع عن النفس في ظل غياب أي قوة حامية أخرى (كقوات دولية أو أممية).
• جزء من الأيديولوجيا: المقاومة في غزة ليست جيشاً نظامياً يمكن هزيمته في معركة واحدة، بل هي أيديولوجيا متجذرة في الرفض للاحتلال والحصار. لا يمكن نزع سلاح فكرة أو عقيدة بالقوة العسكرية.
• غياب البديل: لن يقبل السكان بنزع السلاح إلا إذا وُفرت لهم بدائل تضمن الأمن ورفع الحصار. وفي ظل غياب أي أفق سياسي جدي لإقامة دولة، فإن نزع السلاح يُفسر على أنه "استسلام مجاني".
________________________________________
3. معضلة "اليوم التالي": من سيفرض النزع؟
لنفترض جدلاً أن إسرائيل تمكنت عسكرياً من جمع 80% من الأسلحة الظاهرة، يبقى السؤال: من سيضمن عدم عودة التسلح؟
________________________________________
سيناريو فرض النزع التحدي الاستراتيجي النتيجة المتوقعة
القوة الدولية/الأمم المتحدة ترفض القوى الكبرى (كألمانيا وفرنسا والولايات المتحدة) إرسال قوات لحفظ الأمن في منطقة شديدة العداء ومشتعلة دون وجود اتفاق سياسي شامل. فشل في التشكيل أو انسحاب سريع تحت ضغط الهجمات.
السلطة الفلسطينية (PA) السلطة الحالية (برئاسة محمود عباس) تفتقر للشرعية في غزة. محاولة إعادة إرسال قوات أمن السلطة بالقوة ستُعتبر "حرباً أهلية" ووكالة للاحتلال، مما يضمن مقاومتها. تجدد الانقسام والصراع الداخلي فور محاولة الدخول.
الاحتلال الإسرائيلي المباشر هذا يعني تحمّل إسرائيل لكامل المسؤولية الأمنية والمدنية (على عكس الانسحاب الأحادي). يؤدي إلى استنزاف هائل للجيش الإسرائيلي عبر عمليات المقاومة اليومية. حرب استنزاف لا نهائية (حرب عصابات).
4.الحقيقة الاستراتيجية: لا نزع سلاح دون حل سياسي
في النهاية، يظل نزع السلاح في غزة هدفاً "عدمياً" لا يمكن تحقيقه عبر القوة المجردة.
• النجاح الحقيقي لنزع السلاح في أي صراع مماثل لا يأتي من القصف والاجتياح، بل من خلال صفقة سياسية شاملة توفر للطرف الآخر (الفلسطينيين) بديلاً يمنحهم الكرامة والأمن والسيادة.
• عندما يرى المواطن أن هناك أفقاً حقيقياً لإنهاء الاحتلال والحصار وإقامة دولة ذات سيادة، تفقد فصائل المقاومة مبرر وجودها وأهميتها الشعبية. حينها، يصبح السلاح عبئاً على المجتمع بدلاً من كونه رمزاً له.
نزع سلاح المقاومة في غزة ليس ممكناً طالما بقي الاحتلال قائماً والحصار مطبقاً. محاولة فرضه بالقوة العسكرية تؤدي فقط إلى تفريخ أجيال جديدة أكثر تطرفاً وتمسكاً بالسلاح، وتضمن أن يكون "النصر المطلق" مجرد شعار يطيل أمد الحرب ولا يحقق السلام.
تعليقات