الانتخابات الفلسطينية: حلمٌ مات على عتبة الانقسام
الانتخابات الفلسطينية: حلمٌ مات على عتبة الانقسام
كانت الانتخابات الفلسطينية، في بدايات السلطة الوطنية، تجسيداً لحلم بناء الدولة على أسس ديمقراطية وتعددية. لكن بعد ما يقرب من عقدين من الانقطاع عن صناديق الاقتراع (منذ الانتخابات التشريعية الأخيرة عام 2006)، تحول هذا الحلم إلى مجرد شعار دبلوماسي يُرفع في المؤتمرات ولا يُطبق على الأرض. لقد أصبحت الانتخابات اليوم في المشهد الفلسطيني حلماً ميتاً، تُحاصره عوائق داخلية وخارجية جعلت من إجرائها الفعلي مهمة شبه مستحيلة.
1. العائق الداخلي: الانقسام وفيتو الشرعية المزدوجة
يُعد الانقسام بين حركتي فتح وحماس منذ عام 2007 هو المسمار الأول في نعش العملية الانتخابية:
فقدان الوحدة الجغرافية: يستحيل إجراء انتخابات ذات شرعية وطنية في ظل سلطتين إداريتين منفصلتين (غزة والضفة الغربية). إن أي انتخابات تُجرى في الضفة وحدها ستُقابل برفض حماس ولن تمثل سكان غزة، والعكس صحيح، مما يؤدي إلى نتائج لا تعترف بها نصف الأمة.
الخوف من التكرار: لا تستطيع القيادة في الضفة الغربية (السلطة الفلسطينية/فتح) تحمل مخاطرة تكرار سيناريو 2006، عندما فازت حماس بالأغلبية التشريعية. هذا الخوف من نتائج الديمقراطية، حتى في حال إجرائها، يجعل الإرادة السياسية لإطلاقها شبه معدومة.
أزمة الشرعية المتبادلة: لا يعترف الطرفان بشرعية المؤسسات الحالية للطرف الآخر، مما يجعل التوافق على هيئة إشراف محايدة (لجنة الانتخابات المركزية) أمراً معقداً، ويضمن أن تُطعن في نتائج الاقتراع فور ظهورها.
2. العائق الخارجي: سيف الاحتلال المسلط
حتى لو تم التوصل إلى توافق داخلي، فإن الاحتلال الإسرائيلي يضع "فيتو عملياً" على الإجراءات الديمقراطية الفلسطينية، وهو ما أدى إلى إلغاء آخر محاولة لإجراء الانتخابات في عام 2021:
القدس كعاصمة الصراع: ترفض إسرائيل بشكل قاطع السماح للفلسطينيين في القدس الشرقية بإجراء الانتخابات، خوفاً من أن يؤدي ذلك إلى ترسيخ الوجود الفلسطيني السياسي في المدينة، وهو أمر لا يقبله اليمين الإسرائيلي.
الاعتقالات والتدخل الأمني: تعمد القوات الإسرائيلية إلى اعتقال المرشحين والناشطين الفلسطينيين المشاركين في الحملات الانتخابية بالضفة الغربية، مما يقوض مبدأ الحرية الانتخابية ويجعل الحملات السياسية محفوفة بالمخاطر الأمنية.
الحاجة إلى "تصريح" إسرائيلي: إن العملية الانتخابية الفلسطينية، بحكم الواقع تحت الاحتلال، تحتاج إلى موافقة ضمنية إسرائيلية على حركة المرشحين والمواد الانتخابية، مما يجرّد الانتخابات من سيادتها.
3. العائق المؤسسي: تآكل الثقة العامة
أدى هذا الجمود الطويل إلى فقدان الشعب الفلسطيني لثقته في الانتخابات كوسيلة للتغيير أو الإصلاح:
الجمود التشريعي: أدى غياب المجلس التشريعي المنتخب (منذ 2006) وتزايد قرارات "المراسيم الرئاسية" إلى تعويد المؤسسات الفلسطينية على العمل في غياب الرقابة الديمقراطية.
فقدان الأمل: يرى جيل الشباب، الذي لم يعش فترة الانتخابات أصلاً، أن اللعبة السياسية الحالية هي جزء من "الوضع الراهن" الذي يجب مواجهته بطرق أخرى غير الصندوق (مثل المقاومة أو العمل الشعبي المباشر).
الخلاصة: من حلْم إلى استحقاق
إن الانتخابات الفلسطينية حالياً هي مجرد أداة للمساومة السياسية وليست استحقاقاً ديمقراطياً حقيقياً. لكي تتحول الانتخابات من "حلم ميت" إلى واقع، يجب أولاً تحقيق:
وحدة وطنية شاملة واتفاق مبدئي على نتائج الاقتراع مهما كانت.
ضمانات دولية واضحة تلزم الاحتلال بعدم التدخل في القدس والضفة الغربية.
طالما بقيت السلطة الفلسطينية مقسمة جغرافياً ومهددة خارجياً، فإن الحديث عن انتخابات حرة ونزيهة سيبقى مجرد أمنيات مؤجلة، يطويها النسيان أمام تحديات الصراع اليومية.
تعليقات