لماذا تدعم كولومبيا الفلسطينيين؟
لماذا تدعم كولومبيا الفلسطينيين ؟
إن التحول في الموقف الكولومبي تجاه القضية الفلسطينية، والذي تكلل في مواقف قوية تحت قيادة الرئيس الحالي جوستافو بيترو، يمثل تحولاً جذرياً في السياسة الخارجية لبوغوتا. فكولومبيا كانت تاريخياً حليفاً رئيسياً لإسرائيل في أمريكا اللاتينية، لكن دعمها الحالي للفلسطينيين ليس عاطفياً، بل هو نتاج تقاطع عوامل أيديولوجية، تاريخية، وتضامنية مع الجنوب العالمي.
وهنا دعونا نلقي نظرة على أسباب دعم كولومبيا للقضية الفلسطينية:
لم يكن دعم كولومبيا للقضية الفلسطينية أمراً ثابتاً. فلعقود، كانت الحكومات الكولومبية المتعاقبة، والميلتة إلى اليمين، تحافظ على علاقات عسكرية واستخباراتية قوية مع إسرائيل. لكن وصول جوستافو بيترو، أول رئيس يساري في تاريخ البلاد الحديث، عام 2022، أحدث انقلاباً كاملاً في هذه المعادلة.
تتضح دوافع هذا الدعم القوي في أربعة محاور رئيسية:
1. المحرك الأيديولوجي: بيترو ومناهضة الإمبريالية
جوستافو بيترو هو عامل التحول الأهم. هو زعيم يساري، وعضو سابق في الحركة الثورية "إم-19"، وتنبع رؤيته للعالم من منظور مناهض للإمبريالية وللهيمنة الغربية.
العدالة العالمية: يرى بيترو الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي باعتباره مثالاً واضحاً على صراع "المستعمَر ضد المُستعمِر" و"الضعيف ضد القوي". وهو يتبنى خطاباً يربط النضال الفلسطيني بنضال الشعوب الأصلية وحركات التحرر في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية.
رفض المعايير المزدوجة: يرفض بيترو التفسير الغربي الذي يصنف بعض الحركات على أنها "إرهاب" بينما يتغاضى عن انتهاكات الاحتلال، وهذا ما يفسر لجوئه إلى مصطلحات قوية مثل "الإبادة الجماعية" في وصفه للحرب الأخيرة على غزة.
2. تضامن الجنوب العالمي والكتلة اليسارية اللاتينية
موقف كولومبيا يندرج ضمن توجه متنامٍ في أمريكا اللاتينية لإعادة توجيه السياسة الخارجية بعيداً عن التبعية للولايات المتحدة والتوجه نحو "تضامن الجنوب العالمي".
الاصطفاف الإقليمي: بيترو يسعى لتعزيز العلاقات مع حلفاء يساريين آخرين في المنطقة، مثل الرئيس البرازيلي لولا دا سيلفا والرئيس المكسيكي لوبيز أوبرادور. وهؤلاء القادة غالباً ما يتبنون مواقف داعمة للقضية الفلسطينية كجزء من أيديولوجيتهم المشتركة.
فنزويلا والنموذج: لطالما كانت فنزويلا (في عهد شافيز) من أشد المؤيدين للقضية الفلسطينية. يمثل بيترو محاولة لاستعادة "الروح الثورية" والتحرر من الهيمنة الأمريكية، وهو ما يتطلب الاصطفاف مع قضايا التحرر الكبرى.
3. أصداء الصراع الداخلي: قضايا الأرض والضحايا
هناك تشابهات عميقة يراها الكولومبيون، وخاصة اليسار، بين الصراع الفلسطيني والصراع الداخلي المرير الذي عاشته كولومبيا لعقود:
قضية الأرض: تعاني كولومبيا تاريخياً من مشكلات هائلة تتعلق بملكية الأرض وتشريد المزارعين وسيطرة النخب. ويرى بيترو أن الاستيطان الإسرائيلي يمثل نموذجاً عالمياً مصغراً لهذا التشريد والاستيلاء على الأرض، مما يخلق تعاطفاً غريزياً مع الضحية الفلسطينية.
الضحايا المدنيون: بعد عقود من الحرب الأهلية التي ذهب ضحيتها المدنيون، تُظهر الحكومة الكولومبية حساسية خاصة تجاه مفهوم "المدنيين كضحايا"، وهو ما جعل بيترو من أوائل القادة الذين أدانوا بقوة القصف الذي يستهدف المدنيين في غزة.
4. المحفز الأخير: المواقف الصريحة بعد 7 أكتوبر
كانت الحرب الأخيرة في غزة هي نقطة التحول العلنية الكبرى. لم يكتفِ بيترو بالإدانة، بل ذهب إلى أبعد من ذلك بكثير:
التصريحات الجريئة: استخدامه مصطلح "الإبادة الجماعية" بشكل متكرر، وتشبيهه سلوك إسرائيل في غزة بسلوك النازية، خلق أزمة دبلوماسية مباشرة بين بوغوتا وتل أبيب.
التهديد بقطع العلاقات: بيترو كان من بين أوائل الزعماء الذين هددوا بقطع العلاقات الدبلوماسية بشكل كامل مع إسرائيل، ووقف صادرات الفحم إليها، مما شكل ضغطاً اقتصادياً ومعنوياً غير مسبوق.
حتى وصل الامر في هذا الرئيس الثائر ان يدعو لتشكيل جيش عالمي لوقف الابادة وتحرير فلسطين.
الخلاصة: الوداع للحليف القديم
دعم كولومبيا للفلسطينيين هو انعكاس للرؤية الأيديولوجية لجوستافو بيترو وقطع كامل مع الماضي المحافظ للبلاد. فبالنسبة لليسار الكولومبي، فإن دعم القضية الفلسطينية لم يعد خياراً في السياسة الخارجية، بل هو واجب أخلاقي وتعبير عن إعادة اصطفاف كولومبيا ضمن قوى "الجنوب العالمي" المناهضة للنزعة الاستعمارية.
تعليقات