دولة فلسطين بعد العثمانيين
فلسطين ما بعد العثمانيين: الدولة التي كانت موجودة على الخريطة والواقع
كثيراً ما يتردد في السجالات السياسية المعاصرة ادعاء مغلوط يقول: "لم تكن هناك دولة اسمها فلسطين". لكن العودة إلى وثائق التاريخ، والخرائط، والقوانين الدولية في الفترة التي تلت انهيار الإمبراطورية العثمانية مباشرة (1917-1948)، تثبت عكس ذلك تماماً. فلسطين لم تكن مجرد "أرض بلا شعب" أو منطقة جغرافية غامضة، بل كانت كياناً سياسياً يتشكل، له حدوده، وجواز سفره، وعملته، وحكومته، لولا أن مسار التاريخ حُرف بالقوة.
1. من ولايات عثمانية إلى كيان سياسي موحد
قبل الحرب العالمية الأولى، كانت فلسطين مقسمة إدارياً ضمن الدولة العثمانية (سنجق القدس المستقل، وسناجق تابعة لولاية بيروت مثل نابلس وعكا). مع انهيار الدولة العثمانية ودخول الجنرال اللنبي القدس عام 1917، بدأت ملامح "فلسطين الحديثة" تتشكل كوحدة سياسية واحدة.
ترسيم الحدود: في عام 1923، وبموجب اتفاقيات ترسيم الحدود بين بريطانيا (المنتدبة على فلسطين) وفرنسا (المنتدبة على سوريا ولبنان)، رُسمت حدود فلسطين التي نعرفها اليوم (من رأس الناقورة شمالاً إلى أم الرشراش جنوباً).
الاعتراف الدولي: اعترفت "عصبة الأمم" (المنظمة السابقة للأمم المتحدة) بفلسطين ككيان قائم بذاته تحت "الانتداب". وكان صك الانتداب ينص (نظرياً) على مساعدة هذا الكيان للوصول إلى الاستقلال، كما حدث مع العراق والأردن.
2. مظاهر "الدولة" الفلسطينية قبل عام 1948
إذا كان تعريف الدولة يقوم على الأرض، والشعب، والمؤسسات، والرموز السيادية، فإن فلسطين في فترة الانتداب (1920-1948) كانت تمتلك كل مقومات الدولة، باستثناء "السيادة الكاملة" التي صادرها الاستعمار البريطاني:
أ. الجنسية وجواز السفر
في عام 1925، صدر "قانون الجنسية الفلسطينية". أصبح سكان هذه الأرض يحملون جنسية رسمية تُسمى "فلسطيني".
كان جواز السفر الفلسطيني وثيقة رسمية معترفاً بها عالمياً، لونه بني غامق، ويحمل اسم "فلسطين Palestine" بثلاث لغات.
حتى المهاجرون اليهود الذين وصلوا في تلك الفترة، كان عليهم الحصول على "الجنسية الفلسطينية" ليقيموا بشكل قانوني.
ب. العملة الوطنية في عام 1927، استبدلت فلسطين العملة المصرية والتركية وأصدرت عملتها الخاصة: "الجنيه الفلسطيني".
كانت هذه العملة قوية ومرتبطة بالجنيه الإسترليني، وصدرت عن "مجلس النقد الفلسطيني". وجود عملة وطنية هو أحد أبرز دلالات وجود كيان اقتصادي وسياسي مستقل ومحدد.
ج. البنية التحتية والمؤسسات
لم تكن فلسطين صحراء قاحلة، بل كانت تعج بالحياة المدنية:
مطار القدس الدولي (مطار قلنديا): أنشئ في العشرينات وكان يستقبل رحلات جوية من العواصم العربية والعالمية.
السكك الحديدية: قطار فلسطين كان يربط القنطرة (مصر) بحيفا، ومنها إلى بيروت ودمشق.
الإذاعة: انطلقت إذاعة "هنا القدس" عام 1936 كواحدة من أوائل الإذاعات في المنطقة.
3. لماذا لم تعلن "الاستقلال" مثل جاراتها؟
إذا كانت فلسطين تمتلك الحدود والعملة والجواز، فلماذا لم تصبح دولة مستقلة في الأربعينات مثل الأردن أو لبنان؟ الجواب يكمن في "وعد بلفور" وصك الانتداب نفسه. بينما كان الانتداب البريطاني في الدول العربية الأخرى يهدف (ولو شكلياً) إلى تجهيز السكان للاستقلال، كان الانتداب في فلسطين يحمل هدفاً مزدوجاً ومتناقضاً: إدارة البلاد، وفي نفس الوقت "تسهيل إنشاء وطن قومي لليهود".
تم تعطيل المؤسسات التمثيلية الفلسطينية (مثل البرلمان) لأن الأغلبية العربية كانت سترفض الهجرة اليهودية والمشروع الصهيوني ديمقراطياً.
بدلاً من تسليم السلطة للفلسطينيين عند نهاية الانتداب (كما حدث في سوريا ولبنان)، قامت بريطانيا بالانسحاب تاركة المجال للميليشيات الصهيونية المدربة للاستيلاء على الأرض وإعلان دولة إسرائيل في عام 1948.
الخلاصة
فلسطين بعد العثمانيين لم تكن "فراغاً"، بل كانت دولة مكتملة الأركان قيد التأسيس. كان هناك موظفون حكوميون فلسطينيون، وشرطة فلسطينية، وبريد فلسطيني يحمل طوابع باسم الدولة. إن القول بعدم وجود فلسطين هو محاولة لمحو التاريخ. الحقيقة هي أن الدولة الفلسطينية كانت موجودة إدارياً وقانونياً ومجتمعياً، لكن تم تفكيكها بالقوة العسكرية والمؤامرة الدولية لتحل محلها دولة أخرى، وهو ما يُعرف في الذاكرة الفلسطينية بـ "النكبة".
تعليقات