التعذيب الممنهج للاسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال الصهيوني: جريمة حرب تحت غطاء "الضرورة"
التعذيب الممنهج للاسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال الصهيوني: جريمة حرب تحت غطاء "الضرورة"
يُعد التعذيب جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية بموجب القانون الدولي، ويحظرها بشكل مطلق أي ميثاق أو اتفاقية عالمية، بغض النظر عن الظروف أو التهديدات الأمنية. ومع ذلك، تمكنت إسرائيل على مر العقود من تطوير منظومة اعتقال وتعذيب ممنهجة ضد الأسرى الفلسطينيين، وتحويلها من ممارسات فردية إلى سياسة حكومية محمية بالثغرات القانونية وغياب المحاسبة.
إن ما يجري داخل أقبية التحقيق هو أكثر من مجرد "سوء معاملة"؛ إنه انتهاك يهدف لكسر الإرادة وتجريد المعتقل من إنسانيته.
النبض القانوني المكسور: ثقافة الإفلات من العقاب
إن استمرار التعذيب ليس وليد الصدفة أو نتاج محققين متطرفين، بل هو نتيجة مباشرة لفشل النظام القضائي في الردع. فقد كرّست المحكمة العليا الإسرائيلية، عبر قراراتها، ثقافة الإفلات من العقاب:
ثغرة "قنبلة موقوتة": على الرغم من إصدار المحكمة العليا قراراً عام 1999 حظرت فيه استخدام وسائل التعذيب "التقليدية" مثل الهز العنيف، فإنها أبقت على "ثغرة ذهبية" سمحت للجهاز الأمني العام (الشاباك) بالتذرع بـ "حالة الضرورة" أو "قنبلة موقوتة" لتبرير استخدام "الضغط الجسدي المعتدل" متى ما رأى المحقق أن المعلومات مطلوبة لدرء خطر وشيك.
التحقيق الذاتي: الآلاف من شكاوى التعذيب التي تقدمت بها منظمات حقوقية (مثل "بتسيلم" و"اللجنة العامة لمناهضة التعذيب في إسرائيل") تُغلق بقرار من وحدة التحقيقات التابعة للشاباك نفسه، أي أن الجهاز يحقق مع نفسه، مما يضمن عملياً أن لا يُقدم أي محقق للمحاكمة بتهمة التعذيب.
هذا الغطاء القانوني هو الذي يمكّن المحقق من استخدام أساليب الإذلال والضغط دون خوف من عواقب مهنية أو جنائية.
أدوات الكسر: التعذيب الجسدي والنفسي الممنهج
إن تعذيب الأسير عملية منهجية تهدف إلى تحطيم بنيته النفسية والجسدية عبر طرق موثقة تتراوح بين الإيذاء الصريح والإهمال البطيء:
الـ "شَبْح" وأوضاع الإجهاد: يُجبر المعتقل على البقاء في وضعيات مؤلمة غير طبيعية لساعات وأيام (مثل الوقوف الطويل مع تقييد اليدين والقدمين، أو الجلوس على كرسي صغير جداً). هذا يسبب آلاماً مزمنة في الظهر والأطراف دون أن يترك بالضرورة علامات خارجية واضحة.
الحرمان المنهجي: الحرمان من النوم المتواصل، والحرمان من الرعاية الطبية اللازمة (خاصة لمرضى السرطان والكلى)، والحرمان من الغذاء والماء الكافي، مما يشكل إهمالاً طبياً متعمداً يوازي التعذيب.
التهديدات والضغط النفسي: التهديد بهدم منزل الأسير، أو اعتقال أو إيذاء أفراد عائلته (خاصة الزوجة والأم)، والتعرض للإذلال المتعمد والتهديد بالاعتداء الجنسي.
تصعيد وحشي: السجون في زمن "الإبادة"
شهدت ظروف الاعتقال والتعذيب تدهوراً دراماتيكياً غير مسبوق بعد عملية 7 أكتوبر، خاصة مع موجة الاعتقالات العشوائية في غزة وتخصيص معتقلات عسكرية جديدة، وترافق الامر مع استلام المجرم وزير الامن القومي بن غفير منصبه وهو الذي يحمل الحقد على الفلسطينيين، ووضع برنامج اكثر صرامة لتعذيب الاسرى وحرمانهم من الحد الادني لحقوقهم، وقد ساهم هذا في موت عشرات الفلسطينيين في السجون خاصة منذ بدء الحرب على غزة قبل عامين وما يزال التعذيب الوحشي مستمر. وهي كلها جرائم حرب وضد الانسانية.
الضرب المبرح والمميت: ازدادت التقارير عن حالات وفاة بين المعتقلين الفلسطينيين في السجون العسكرية نتيجة التعذيب والضرب العنيف أثناء التحقيق والنقل.
العزل والتجريد: تم فرض العزل الانفرادي على نطاق واسع وتجريد المعتقلين من ملابسهم وكرامتهم وإجبارهم على أوضاع مهينة.
غياب الشهود: أُنشئت أماكن احتجاز غير معترف بها تخضع لسيطرة الجيش بعيداً عن الرقابة المدنية أو القانونية، مما سمح بممارسة أقصى درجات القسوة دون خوف من توثيق الجرائم.
الخلاصة: النداء الأخير للعدالة الدولية
إن تعذيب الأسرى الفلسطينيين هو مؤشر على تآكل منظومة العدالة في إسرائيل، وتحويل جهاز الأمن إلى أداة للانتقام الجماعي والفردي. طالما بقيت ثغرة "الضرورة" قائمة، وطالما فشل المدعي العام الإسرائيلي في محاسبة المحققين، ستستمر الجريمة. وخاصة بعد قضية المدعية العامة التي سربت قصة تعذيب اسير فلسطيني والاعتداء عليه جنسيا ايضا.
الأمل الآن معقود على الآليات الدولية؛ من المحكمة الجنائية الدولية التي يجب أن توسع تحقيقاتها لتشمل جرائم التعذيب في السجون والمعتقلات، إلى الضغط الدولي على الحكومات لوقف التعاون الأمني مع جهاز يخالف القانون الدولي بشكل منهجي. فمواجهة التعذيب ليست نضالاً فلسطينياً وحسب، بل هي اختبار لمصداقية المنظومة الحقوقية العالمية بأسرها.
تعليقات