وَصَايَا شُهَدَاءَ عَلَى لَوحِ السَّمَاءِ
وَصَايَا شُهَدَاءَ عَلَى لَوحِ السَّمَاءِ
(قصيدة طويلة)
مِنْ حَيْثُ نَامَ الرَّمْلُ تَحْتَ ضُلوعِي، وَصَعَدْتُ نَحْوَ النُّورِ مِثْلَ شُعَاعِ، هَذِي وَصَايَايَ التي مَا لَمْ تَمُتْ، بَاقٍ عَلَى الجُدْرَانِ وَالقَاعِ. يَا أَهْلَ غَزَّةَ، يَا مَنَارَ صُمُودِنَا، وَالضِّفَّةَ الحَرَّى وَخَفْقَ شِرَاعِي، وَالقَابِعِينَ عَلَى الجَمِيزِ، وَفِي الرُّبَى، يَا لَحْنَ عَوْدَتِنَا وَيَا إِيقَاعِي.
الجُزءُ الأول: وَصِيَّةُ الأَرْضِ وَالعَهدُ المُقِيمُ
وَصِيَّتي الأُولَى تُخَاطِبُ تُرْبَتِي، هِيَ لُبُّ قَولِي، وَهِيَ مَدُّ بَيَاعِي: "لَا تَهْجُرُوا البَيْتَ القَدِيمَ فَلَيْسَ لِي بَعْدَ الفِرَاقِ سِوَاهُ مَوْضِعُ نَاعِي." الخَائِبُونَ هُمُ الذينَ تَرَاجَعُوا، وَبَاعُوا لِلغَرِيبِ زُهُورَ يَرَاعِ، فَامضُوا عَلَى أَثَرِ الجُدُودِ، فَعِندَهُمْ سِرُّ البَقَاءِ وَفِكْرَةُ الإِقْنَاعِ. المَوْتُ دُونَ الأَرْضِ عِيدُ كَرَامَةٍ، وَالحَيُّ إِنْ فَرَّ فَلَا يُرَاعِي. إِنْ حَاصَرَتْكُمْ نَارُهُمْ، فَاصْمُدُوا، لَهُمْ جِسْمِي فِدَاءٌ، وَالفُؤَادُ قِلَاعِي. وَلْتَحْفَظُوا مِفْتَاحَ دَارِي حَيثُ لَا يَأْتي الزَّمَانُ بِهِ بِبَيْتِ خِدَاعِ. فَالقُدسُ بَوْصَلَةٌ، وَشَرْطُ لِقَائِنَا أَنَّ الرَّحِيلَ بَغِيضُ كُلِّ وِدَاعِ.
الجُزءُ الثاني: وَصِيَّةُ البُنْدُقِ وَحِلمُ الوَحدَةِ
يَا إِخْوَتي، وَبَنِي عُمُومَتي، فَلَقَدْ رَأَيْتُ العَدُوَّ يُرِيدُ نَزْعَ قِنَاعِي، رَأَيْتُهُ يَبْني عَلَى شَقِّ الرُّؤَى، وَيَمُدُّ سَيْفَ الفُرْقَةِ الشَّنْعَاعِ. "وَصِيَّتي أَنْ لَا يُفَرِّقَكُمْ الهَوَى، فَالوَحدَةُ الكُبْرَى دَوَاءُ ضَيَاعِي." كُونُوا عَلَى عَهْدِ الرِّجَالِ بِلَا وَهَنْ، فَسَلَامَةُ المَيدَانِ مِنْ إِجْمَاعِ. وَالسِّلْمُ لَيْسَ عَلَى خُطَى مَنْ خَانَنَا، بَلْ فِي يَدِ الفَارُوقِ وَالقَعْقَاعِ. لَا تَنْزِعُوا سَيْفَ المُقَاوِمِ قَبْلَ أَنْ يَرْحَلَ صَوْتُ الحَادِثِ المُتَرَاعِي. فَالسَّيْفُ مَادَامَ الهَوَانُ مُخَيِّمَاً، هُوَ عِزَّةٌ، هُوَ مَوْقِفُ الشُّجْعَاعِ. وَلْتَحْمِلُوا قَلَمَ المُنَاضِلِ كَيْ تَرَوْا أَنَّ الوَعْيَ سَيْفٌ حَادُّ الأَضْلَاعِ. عَلِّمُوا صِغَارَكُمْ وُجُوهَ قُرَانَا، فَالجَهْلُ أَصْعَبُ مِنْ سِهَامِ رِمَاعِ.
الجُزءُ الثالث: وَصِيَّةُ الأُمَّهَاتِ وَجِيلُ الشُّهُودِ
يَا أُمّي، وَالدَّمْعُ الحَبِيبُ عَلَى الرُّؤَى، لَا تَلْبَسي ثَوبَ السَّوَادِ لِفَاجِعِي، أَنَا لَمْ أَمُتْ، لَكِنْ نَقَلْتُ مَقَاعِدِي، وَبَدَأْتُ رِحْلَةَ صُحْبَةٍ وَسَمَاعِ. "أَطْلِقْ زَغَارِيدَ الفَخَارِ فَلَمْ يَكُنْ إِلَّا لِأَجْلِكِ قَدْ بَذَلْتُ ذِرَاعِي." وَلِأَجْلِ طِفْلِي، قُلْ لَهُ: أَنَا لَمْ أَغِبْ، أَنَا فِيكَ حَيٌّ بَاقِي الأَوْجَاعِ، عَلِّمْهُ كَيْفَ يَصُبُّ حُبَّ بِلَادِهِ، فِي قَبْضَةٍ، وَحِكَايَةٍ، وَصِرَاعِ. لَا تَجْعَلُوا أَحْزَانَنَا خَطَراً عَلَى أَجْيَالِكُمْ، بَلْ قُوَّةَ الإِشعَاعِ. فَالنَّصْرُ لَا يَأْتِي بِيَوْمٍ وَاحِدٍ، بَلْ خَطْوَةً مِنْ بَائِسٍ وَمُضَاعِ. وَالضَّحْكُ فِي وَجْهِ الحِصَارِ مُقَاوَمٌ، وَالصَّبْرُ زَادُ المُتْعَبِينَ الجَائِعِ.
الجُزءُ الرابع: وَصِيَّةُ القُدْسِ وَفَجرُ القَسَمِ
يَا قُدْسُ، يَا وَجَعَ النُّجُومِ، وَمُهْجَتِي، يَا نَبْضَةَ الأَقصَى وَدُونَ نِزَاعِ، أَنَا جِئتُ قَبْلَ الفَجْرِ كَيْ أَرنُو لَكُمْ، فَالنَّصْرُ آتٍ بَعْدَ طُولِ صِيَاعِ. "إِنْ لَمْ تَرَوْنِي، فَانْظُرُوا نَحْوَ السَّمَا، فَهُنَاكَ رَايَاتِي، وَبَابُ رِفَاعِي." سَأَظَلُّ حَارِسَكُمْ، وَخَيْمَةَ صَبْرِكُمْ، حَتَّى تَعُودُوا سَالِمِينَ بِقَاعِي. أَقْسَمْتُ بِالدَّمِ الذِي أَرْخَصْتُهُ أَنَّ التَّحَرُّرَ قَادِمٌ بِشَرَاعِ. وَالنَّاسُ تَذْكُرُ مَنْ مَشَى، لَكِنَّهَا لَا تَبْتَغِي مَنْ خَافَ مِنْهُ سَمَاعِ.
سَلَامٌ عَلَيكُمْ، فِي الفُؤَادِ سَكَنْتُمُ، وَالحُلْمُ بَاقٍ، وَالعَزَاءُ شُجَاعِي. وَصَلَاحُ دِينٍ فِي نَسِيمِ تُرَابِكُمْ، يَدْعُو لِعَهدٍ سَاطِعٍ وَوَفَاءِ.
تعليقات