نابلس تحت المقصلة: الآثار التدميرية الشاملة لسياسة الحصار الصهيوني

نابلس تحت المقصلة: الآثار التدميرية الشاملة لسياسة الحصار الصهيوني ليست نابلس، "جبل النار" وعاصمة الشمال الفلسطيني الاقتصادي، مجرد مدينة على الخارطة؛ إنها نبض حيوي يضخ الحياة في شرايين الضفة الغربية المحتلة. تاريخياً، عُرفت هذه المدينة بكونها مركزاً تجارياً وصناعياً، وساحة للمقاومة والصمود. وإدراكاً لهذه الأهمية، دأبت قوات الاحتلال الصهيوني على استهدافها بسياسة ممنهجة وشرسة، أبرز أدواتها "الحصار". إن الحصار الذي تفرضه قوات الاحتلال على نابلس بين الفينة والأخرى ليس مجرد إجراء أمني مؤقت كما يدعي الاحتلال، بل هو استراتيجية "عقاب جماعي" متكاملة الأركان، تهدف إلى خنق المدينة، واستنزاف مواردها، وكسر إرادة أهلها. تتجاوز آثار هذا الحصار البعد العسكري لتطال كل مفاصل الحياة اليومية، مخلفة دماراً اقتصادياً واجتماعياً ونفسياً عميقاً، يستدعي التوقف عنده وتحليله. أولاً: الخنق الاقتصادي.. ضرب الشريان الحيوي تعتبر نابلس المركز التجاري الأهم في شمال الضفة الغربية، وتضم أسواقاً تاريخية وصناعات عريقة ومؤسسات اقتصادية كبرى. عندما يطبق الاحتلال فكّي الحصار عليها، فإنه يصيب هذا الشريان بالشلل التام. شلل الحركة التجارية: تؤدي الحواجز العسكرية والسواتر الترابية التي تغلق مداخل المدينة إلى منع دخول المتسوقين من القرى والمدن المجاورة، والذين يشكلون القوة الشرائية الأساسية لأسواق نابلس. هذا يؤدي إلى كساد تجاري هائل، وإغلاق للمحال، وتراكم للديون على التجار. ضرب القطاع الصناعي: تعتمد المصانع في نابلس على استيراد المواد الخام وتصدير المنتجات. الحصار يعني توقف الشاحنات لساعات أو أيام على الحواجز، مما يرفع تكاليف النقل، ويتلف البضائع (خاصة الزراعية والغذائية)، ويؤدي إلى خسارة العقود التجارية الخارجية، مما يهدد بإغلاق مصانع وتسريح آلاف العمال، لترتفع بذلك معدلات البطالة والفقر. ثانياً: الآثار الإنسانية والاجتماعية.. تمزيق النسيج الحياتي لا يقتصر الحصار على البضائع، بل يستهدف الإنسان الفلسطيني في كرامته وحقوقه الأساسية، محولاً حياته اليومية إلى جحيم من الانتظار والإذلال. انتهاك الحق في الصحة: تعتبر نابلس مركزاً طبياً يضم مستشفيات تخدم مئات الآلاف في الشمال. الحصار يعيق وصول المرضى، بمن فيهم الحالات الحرجة ومرضى غسيل الكلى والسرطان، إلى المستشفيات في الوقت المناسب. لقد وثقت العديد من الحالات التي فارق فيها مرضى الحياة على الحواجز العسكرية بسبب تأخير مرور سيارات الإسعاف أو المركبات الخاصة. تعطيل المسيرة التعليمية: تضم نابلس جامعة النجاح الوطنية، إحدى أكبر الجامعات الفلسطينية، ومدارس عديدة. الحصار يحرم آلاف الطلبة والمدرسين القادمين من خارج المدينة من الوصول إلى مؤسساتهم التعليمية، مما يربك العملية الأكاديمية ويضيع آلاف الساعات الدراسية، ويخلق حالة من عدم الاستقرار النفسي لدى الطلاب. تمزيق الروابط الاجتماعية: يتحول التنقل البسيط لزيارة الأقارب بين نابلس وقراها إلى رحلة عذاب قد تستغرق يوماً كاملاً بدلاً من دقائق. هذا يؤدي إلى عزلة اجتماعية وتقطيع لأواصر القربى، ويزيد من الضغط النفسي على العائلات التي تعيش في حالة ترقب وقلق دائم. ثالثاً: الأبعاد السياسية والنفسية.. سياسة كسر الإرادة إن الهدف الأعمق للحصار الصهيوني هو هدف سياسي بامتياز، يندرج تحت إطار الحرب النفسية والعقاب الجماعي المحرم دولياً. العقاب الجماعي: يهدف الاحتلال من خلال محاصرة مئات الآلاف من المدنيين العزل، بذريعة البحث عن مطلوبين أو الرد على عمليات مقاومة، إلى تدفيع المجتمع بأسره ثمن مقاومته، في محاولة يائسة لفك الارتباط بين الحاضنة الشعبية وقوى المقاومة. الإذلال الممنهج: تمثل الحواجز العسكرية نقاطاً للإذلال اليومي، حيث يتعرض المواطنون للتفتيش المهين، والاحتجاز الطويل، والاعتداءات اللفظية والجسدية أحياناً، بهدف كسر الروح المعنوية وزرع اليأس في نفوس الفلسطينيين. خاتمة: إن حصار نابلس من قبل قوات الاحتلال الصهيوني ليس مجرد حدث عابر، بل هو جريمة مستمرة ومتعددة الأوجه، تهدف إلى تدمير مقومات الحياة في واحدة من أهم المدن الفلسطينية. إن الآثار الاقتصادية الكارثية، والمعاناة الإنسانية اليومية، ومحاولات كيّ الوعي السياسي، كلها تشير إلى عقلية احتلالية لا ترى في الفلسطيني إلا عدواً يجب خنقه. ورغم قسوة هذا الواقع، وفداحة الخسائر، فإن تاريخ نابلس يثبت في كل مرة أن سياسة الحصار، مهما اشتدت، تفشل في كسر إرادة الصمود لدى أهلها. تبقى نابلس، رغم الألم، عصية على الانكسار، وشاهداً حياً على وحشية الاحتلال وإصرار الشعب الفلسطيني على الحياة والحرية.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كلنا على الفقير وضده

الانتقام في ميزان التخاذل

اخبروا الله