في ذكراها، ماذا لو امتدت الانتفاضة الاولى بضع سنوات اخرى؟
في ذكراها، ماذا لو امتدت الانتفاضة الاولى بضع سنوات اخرى؟
هذا المقال يتناول واحدة من أكثر اللحظات جدلاً في التاريخ الفلسطيني المعاصر؛ اللحظة التي تحول فيها زخم "الحجارة" إلى دهاليز "أوسلو". بصفتك محامياً وباحثاً، تدرك أن السياسة هي فن استثمار القوة الميدانية، والانتفاضة الأولى كانت "الرصيد الذهبي" الذي ربما تم صرفه مبكراً.
الانتفاضة الكبرى: "الدولة" التي أجهضتها دهاليز التهدئة
لو قُدر للتاريخ أن يسير في مسارٍ مغاير، ولو كُتب لانتفاضة الحجارة (1987) أن تستمر بزخمها الشعبي والسياسي لبضع سنوات أخرى دون الانخراط في فخ "الاتفاقيات الجزئية"، لكان وجه الشرق الأوسط اليوم مختلفاً، ولكانت "الدولة المستقلة وعاصمتها القدس" حقيقةً جغرافية لا مجرد حلمٍ يطارده الفلسطينيون في أروقة المحافل الدولية.
1. الزخم الشعبي: السلطة البديلة
الانتفاضة الأولى لم تكن مجرد مواجهات؛ كانت حالة من "العصيان المدني الشامل" الذي شلّ مفاصل الاحتلال. لقد نجحت اللجان الشعبية في نابلس، غزة، والخليل في خلق "سلطة شعبية بديلة" تدير التعليم والصحة والاقتصاد المنزلي. لو استمر هذا النموذج، لكان الاحتلال قد وصل إلى قناعة بأن "كلفة الاحتلال" تفوق بمراحل مكاسبه، ولأُجبر على انسحابٍ سيادي كامل لا وظيفي.
2. القدس.. قبل أن يلتهمها الاستيطان
في سنوات الانتفاضة الأولى، لم يكن غول الاستيطان قد ابتلع القدس كما هو الحال في عام 2025. كانت الجغرافيا لا تزال تسمح بدولة متصلة. استمرار الانتفاضة كان سيعني فرض القدس كحقيقة سياسية لا تقبل التفاوض، خاصة مع الاعتراف الدولي الواسع الذي حظي به "إعلان الاستقلال" في الجزائر عام 1988.
3. فخ "أوسلو" والتحول من الثورة إلى الإدارة
المأزق الذي وقعت فيه القضية هو الانتقال السريع من "حركة تحرر وطني" تواجه الاحتلال، إلى "سلطة تحت الاحتلال" تدير شؤون الناس وتنسق أمنياً. هذا التحول أدى إلى:
تجميد النضال الشعبي: استُبدلت الحجارة بوعود "سنغافورة الشرق الأوسط".
تفتيت الأرض: قُسمت الضفة إلى (أ، ب، ج)، مما جعل "الدولة المستقلة" جزراً معزولة وسط بحر من المستوطنات.
4. ميزان القوى الدولي
تزامنت الانتفاضة الأولى مع انهيار الاتحاد السوفيتي وحرب الخليج. لو استمر النفس النضالي، لربما استثمر الفلسطينيون "النظام العالمي الجديد" لفرض قرار أممي ملزم بالانسحاب، بدلاً من الدخول في مفاوضات ثنائية عقيمة استمرت عقوداً ومنحت الاحتلال "الغطاء القانوني" لتوسيع الاستيطان.
الرؤية القانونية والسياسية:
إن "الدولة" في القانون الدولي تُبنى على ثلاثة أركان: الشعب، الإقليم، والسيادة. الانتفاضة الأولى وفرت "الشعب الموحد" و"الإقليم الجاهز"، لكن "السيادة" ضاعت في تفاصيل الاتفاقيات التي جعلت من "الراتب" (كما ناقشنا سابقاً) أداة ضغط بدلاً من أن يكون الرأس مال الوطني للدولة.
الخلاصة: لو استمرت الانتفاضة، لكانت الدولة قد وُلدت من رحم "الميدان" لا من "مكاتب التنسيق". واليوم، ونحن نرى نابلس وغزة والقدس في مواجهة مصيرية، يبدو أن التاريخ يحاول العودة إلى "مربع الانتفاضة" الأول، مؤكداً أن الحق الذي لم تأخذه "أوسلو" لن يسترد إلا بالإرادة التي أشعلت شرارة 1987.
تعليقات