كيف نجح الصهاينة في جعل العرب اعداء ايران المسلمة؟
كيف نجح الصهاينة في جعل العرب اعداء ايران المسلمة؟
هذا سؤال يلامس أحد أعقد التحولات الجيوسياسية في الشرق الأوسط خلال العقود الأخيرة. النجاح في تحويل "البوصلة" لدى بعض الأوساط العربية من اعتبار إسرائيل العدو الأول إلى اعتبار إيران التهديد الوجودي الأكبر، لم يكن وليد الصدفة، بل كان نتيجة تقاطع استراتيجيات إسرائيلية مع ظروف إقليمية معقدة. وإليك مقال تحليلي يستعرض الأدوات والوسائل التي ساهمت في هذا التحول:
هندسة العداء: كيف ساهمت الاستراتيجية الصهيونية في تحويل البوصلة نحو إيران؟
على مدار عقود، كانت القضية الفلسطينية والعداء لإسرائيل هما المحرك الأساسي للسياسة الخارجية العربية. إلا أن العقدين الأخيرين شهدا تحولاً دراماتيكياً، حيث بدأت بعض العواصم العربية ترى في طموحات إيران الإقليمية خطراً يفوق خطر الاحتلال الإسرائيلي. هذا التحول لم يكن ليحدث لولا استراتيجية إسرائيلية ذكية استغلت التصدعات في الجسد العربي.
1. نظرية "العدو المشترك": عدو عدوي صديقي
اعتمدت إسرائيل (والحركة الصهيونية) على مبدأ استراتيجي قديم وهو "تصدير التهديد".
خلق التهديد الوجودي الموازي: عملت الماكينة الإعلامية والدبلوماسية الإسرائيلية على تصوير إيران كـ "غول" يسعى لاستعادة الإمبراطورية الفارسية وتدمير الدول العربية السنية.
تقديم إسرائيل كـ "درع": طرحت إسرائيل نفسها كحليف طبيعي للدول العربية القلقة من التوسع الإيراني، مستغلةً تفوقها التكنولوجي والعسكري والاستخباراتي لتقديم وعود بـ "الحماية" والتعاون الأمني.
2. استغلال الاستقطاب الطائفي والمذهبي
نجحت الاستراتيجية الصهيونية في توظيف الانقسام السني-الشيعي الذي تصاعد بعد غزو العراق عام 2003.
تغذية المخاوف: تم التركيز على مفهوم "الهلال الشيعي" الذي يمتد من طهران إلى بيروت مروراً ببغداد ودمشق. جرى تصوير كل تحرك إيراني على أنه غزو طائفي يستهدف تقويض النسيج المجتمعي للدول العربية.
تحريف الصراع: جرت محاولات لتحويل الصراع في المنطقة من "صراع عربي-إسرائيلي" على الأرض والحقوق، إلى "صراع إقليمي طائفي" تشكل فيه إسرائيل طرفاً "عقلانياً" يدافع عن الاستقرار ضد "التطرف الأيديولوجي" الإيراني.
3. تدويل "البعبع" النووي الإيراني
لعب الملف النووي الإيراني دوراً حاسماً في هذه الاستراتيجية:
المساواة في التهديد: أقنعت إسرائيل العالم، وبعض القادة العرب، بأن امتلاك إيران لسلاح نووي ليس تهديداً لها فحسب، بل هو تهديد مباشر للعواصم العربية والخليجية تحديداً.
الضغط عبر واشنطن: استخدمت إسرائيل نفوذها في واشنطن لربط الأمن العربي بالأمن الإسرائيلي في مواجهة إيران، مما جعل بعض الدول العربية تشعر بأن الطريق الوحيد لضمان حماية أمريكا لها هو التقارب مع إسرائيل.
4. اتفاقيات إبراهيم: مأسسة التحالف الأمني
تمثل "اتفاقيات إبراهيم" الذروة العملية لهذه الاستراتيجية:
الانتقال من السر إلى العلن: حولت هذه الاتفاقيات التعاون الاستخباراتي والأمني السري ضد إيران إلى تحالف علني.
الازدهار الاقتصادي مقابل الأمن: قدمت إسرائيل إغراءات اقتصادية وتكنولوجية ضخمة للدول العربية، معتبرة أن "العدو الإيراني" هو العائق الوحيد أمام الازدهار المشترك في المنطقة.
5. نقاط القوة التي استغلتها إسرائيل
لا يمكن إغفال أن السياسات الإيرانية نفسها (تدخلاتها في اليمن، لبنان، سوريا، والعراق) قدمت "مادة دسمة" للرواية الإسرائيلية:
الأخطاء الإيرانية: التدخلات العسكرية والسياسية الإيرانية في الشؤون العربية ولّدت مخاوف حقيقية لدى الشعوب والقادة العرب، مما جعل السردية الإسرائيلية تجد صدىً وتصديقاً لدى البعض.
تراجع العمل العربي المشترك: ضعف المؤسسات العربية (كالجامعة العربية) أدى إلى بحث كل دولة عن أمنها الفردي، مما سهل على إسرائيل الاستفراد بكل دولة على حدة وتقديم عروض أمنية مغرية.
الربيع العربي: حيث وجد النظام العربي الرسمي فيه تهديد اسراتيجي للتحول في العالم العربي وهو كان ايضا يتقاطع مع توجهات ايران حسب اعتقادهم، وهو الذي ادى الى الحزم في مواجهة كل التوجهات الاسلامية من قبل النظام الرسمي والحاكم العربي.
الخلاصة: تحول هش ومستمر: نجح الصهاينة في استغلال المخاوف المشروعة للدول العربية من التوسع الإيراني، وقاموا بـ تضخيمها وتأطيرها في سياق يخدم أهدافهم الاستراتيجية. ومع ذلك، فإن هذا "النجاح" يظل هشاً، حيث أثبتت أحداث مثل حرب غزة (2023-2025 ) أن القضية الفلسطينية تظل هي البوصلة الحقيقية للشعوب العربية، وأن العداء لإسرائيل يظل متجذراً في الوجدان الشعبي مهما بلغت درجة "التحالفات السياسية" ضد إيران.
تعليقات