لماذا تستبعد حركة فتح الكفاءات وتجلب الولاءات، الانتخابات المحلية نموذجا؟

لماذا تستبعد حركة فتح الكفاءات وتجلب الولاءات، الانتخابات المحلية نموذجا؟ تُعد هذه الإشكالية من أكثر القضايا جدلاً داخل أروقة حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح) وفي الشارع الفلسطيني على حد سواء. إن ظاهرة تقديم "أهل الثقة" على "أهل الخبرة" ليست مقتصرة على فتح، لكنها تظهر بوضوح في حركات التحرر التي تنتقل إلى الحكم دون استكمال بناء مؤسساتي ديمقراطي شامل. وإليك مقال تحليلي يتناول الأسباب الكامنة وراء هذه الظاهرة، مع التركيز على نموذج الانتخابات المحلية: الولاء مقابل الكفاءة: معضلة الاختيار في حركة فتح (الانتخابات المحلية نموذجاً) تواجه حركة فتح تحدياً بنيوياً في الموازنة بين الحفاظ على تماسكها التنظيمي وبين حاجتها لتقديم كفاءات قادرة على إدارة الشأن العام. في العديد من المحطات الانتخابية، وخاصة المحلية، يبرز التوجه نحو اختيار الشخصيات بناءً على درجة ولائها التنظيمي أو ثقلها العشائري، بدلاً من معايير الكفاءة المهنية، مما يؤدي إلى نتائج متباينة على صعيد الأداء والقبول الشعبي. أسباب تفضيل الولاءات على الكفاءات تتداخل عدة عوامل سياسية، اجتماعية، وتنظيمية لتفسير هذا السلوك: 1. الهاجس الأمني والرغبة في السيطرة في بيئة سياسية مضطربة وتحت ضغوط الاحتلال والانقسام الداخلي، يسود لدى القيادة عقلية "القلعة المحاصرة". يُنظر إلى الكفاءات المستقلة أو "التكنوقراط" أحياناً كمصدر للقلق لأنهم قد يمتلكون رؤى نقدية أو استقلالية في القرار، بينما يُعتبر الموالون "رهاناً آمناً" يضمن تنفيذ سياسات الحركة دون معارضة. 2. البنية العشائرية والوزن الانتخابي في الانتخابات المحلية الفلسطينية، تلعب العشيرة (الحمولة) دوراً حاسماً. تضطر حركة فتح أحياناً لتجاوز الكادر الكفء أكاديمياً ومهنياً لصالح شخصية تمتلك "خزاناً انتخابياً" عائلياً كبيراً. الهدف هنا هو "الفوز بالكرسي" كأولوية تسبق "إدارة الكرسي"، مما يجعل المعيار عدديّاً وليس نوعيّاً. 3. نظام المحاصصة والمصلحة التنظيمية تعتمد الحركات الكبرى أحياناً على نظام "المكافأة". يُنظر إلى المناصب في المجالس البلدية والمحلية كنوع من التكريم للكوادر التي أفنت سنوات في العمل التنظيمي أو السجون. هذا "الاستحقاق النضالي" يصطدم غالباً مع "الاستحقاق المهني" المطلوب لإدارة بلديات تعاني من أزمات مالية وتقنية معقدة. الانتخابات المحلية كنموذج للمواجهة تتجلى هذه المعضلة في الانتخابات المحلية من خلال عدة ظواهر: تشكيل القوائم: غالباً ما يتم ترتيب الأسماء في قوائم الحركة بناءً على ترضيات داخلية لأجنحة الحركة أو لزعامات محلية، مما يبعد أصحاب التخصص (مهندسين، ماليين، مخططين مدنيين) إلى تذييل القائمة أو استبعادهم تماماً. ظاهرة القوائم "المستقلة" لأبناء الفتح: رداً على استبعاد الكفاءات، يلجأ العديد من كوادر فتح أصحاب الكفاءة إلى تشكيل قوائم مستقلة أو التحالف مع عائلاتهم ضد قائمة الحركة الرسمية. هذا التشرذم هو النتيجة المباشرة لتقديم الولاء على الكفاءة، وغالباً ما يؤدي لخسارة الحركة في معاقلها. تراجع الأداء الخدماتي: بعد الفوز، يصطدم "الموالون" بمتطلبات الإدارة التقنية. غياب الخبرة يؤدي لتراجع الخدمات، مما ينعكس سلباً على صورة الحركة الأم ويفقدها ثقة الشارع في الانتخابات السياسية الأكبر. التداعيات على مستقبل الحركة إن استمرار هذا النهج يحمل مخاطر استراتيجية: الاغتراب النخبوي: هجرة العقول والكفاءات الشابة من الحركة نحو العمل المستقل أو المؤسسات الدولية، مما يفرغ الحركة من محتواها الإبداعي. تآكل القاعدة الشعبية: المواطن في الانتخابات المحلية يبحث عن "الخدمة" (ماء، كهرباء، طرق) أكثر من "الأيديولوجيا". الفشل في تقديم كفاءات خدمية يعني خسارة الكتلة التصويتية الصامتة. ضعف المنافسة: أمام حركات أخرى قد تعتمد معايير أكثر صرامة في اختيار مرشحيها بناءً على القبول الشعبي والكفاءة، تجد فتح نفسها في موقف دفاعي صعب. هل من مخرج؟ للانتقال من "حركة ولاءات" إلى "حركة كفاءات"، يقترح مراقبون: مأسسة الاختيار: وضع معايير واضحة ومعلنة لاختيار المرشحين تعطي وزناً كبيراً للمؤهلات العلمية والخبرة العملية. تفعيل الانتخابات التمهيدية (البرايمرز): السماح للقاعدة الجماهيرية للحركة باختيار مرشحيها بدلاً من التعيين الفوقي، مما يوازن بين الولاء والقبول الشعبي. فصل التنظيمي عن الخدماتي: إدراك أن قيادة "خلية تنظيمية" تختلف تماماً عن قيادة "مجلس بلدي" يتطلب مهارات فنية وإدارية.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كلنا على الفقير وضده

الانتقام في ميزان التخاذل

اخبروا الله