هدف اسرائيل من تمزيق الوحدة العربية والاسلامية
هدف اسرائيل من تمزيق الوحدة العربية والاسلامية
هذا المقال يتناول واحدة من أخطر القضايا التي ترهن مستقبل المنطقة العربية، وهي "صناعة التجزئة" التي تلتقي فيها المصالح الصهيونية مع حسابات البقاء لبعض أنظمة الحكم، مما يؤدي في النهاية إلى استنزاف القوة العربية الجماعية. وبين مطرقة الصهيونية وسندان الحكم:
صناعة التجزئة في الوطن العربي
لطالما كان "التضامن العربي" هو الكابوس الذي يؤرق مضاجع المخططين الاستراتيجيين في تل أبيب، ولطالما كانت "الوحدة" هي العدو الأول لمشاريع الهيمنة الإقليمية. إن تمزيق الوحدة العربية ليس مجرد نتيجة جانبية للسياسات، بل هو هدف استراتيجي واعي تلتقي عنده رغبة إسرائيل في "التفرد" مع رغبة بعض الحكام في "الاستمرار".
أولاً: الاستراتيجية الصهيونية.. "فرق تسد" كعقيدة أمنية
تدرك إسرائيل، منذ "بن غوريون" وصولاً إلى اليمين المتطرف الحالي، أن تفوقها لا يستند فقط إلى قوتها الذاتية، بل إلى ضعف محيطها. وتتلخص أهدافها من تمزيق الوحدة العربية في:
منع نشوء "كتلة حرجة": أي تجمع عربي (سياسي أو عسكري أو اقتصادي) يعني تحول العرب من "دول تابعة" إلى "قطب عالمي" يمتلك الطاقة، والجغرافيا، والقرار، وهو ما يهدد وجود إسرائيل كقوة مهيمنة وحيدة في المنطقة.
الاستفراد بالساحات: تمزيق الوحدة يسمح لإسرائيل بالاستفراد بكل دولة على حدة؛ فتستفرد بغزة بينما ينشغل الجوار بأزماته، وتستفرد بلبنان بينما تلتزم عواصم أخرى الصمت، مما يسهل تمرير مشاريع التصفية (مثل صفقة القرن أو الضم).
تحويل الصراع: تسعى إسرائيل إلى تحويل بوصلة الصراع من "عربي-صهيوني" إلى "صراعات بينية" (سني-شيعي، ملكي-جمهوري، حدودي-داخلي)، لتصبح إسرائيل في النهاية "حليفاً" لبعض العرب ضد "عدو مشترك" وهمي.
ثانياً: أهداف الحكام.. البقاء على حساب الانتماء
على الجانب الآخر، يرى بعض الحكام العرب في "الوحدة" أو "القومية" تهديداً مباشراً لعروشهم وحساباتهم الضيقة، وتتلخص أهدافهم في:
شرعية الاستمرار: الحفاظ على القطرية الضيقة يمنح الحاكم سلطة مطلقة بعيداً عن ضغوط الالتزامات القومية. الوحدة تعني "تشاركية" في القرار والموارد، وهو ما يرفضه منطق الحكم الفردي.
الحماية الخارجية: يرى الكثير من الحكام أن "الرضا الأمريكي" هو الضمانة الوحيدة للبقاء في السلطة. وبما أن الطريق إلى واشنطن يمر عبر تل أبيب، يصبح "تمزيق الوحدة" والتقارب مع الاحتلال قرابين تقدم للقوى العظمى لضمان عدم دعم الانقلابات أو الثورات ضدهم.
تفتيت "الوعي الشعبي": الوحدة العربية تعني التقاء الشعوب على قضايا كبرى (مثل فلسطين). لذا، يعمد الحكام إلى تعزيز "الوطنية الضيقة" وشعارات (أنا أولاً) لعزل الشعوب عن قضاياها المصيرية، مما يسهل قمعها وتدجينها.
ثالثاً: النتيجة.. فلسطين هي الضحية الكبرى
عندما تمزقت الوحدة العربية، تحولت فلسطين من "قضية العرب الأولى" إلى "شأن فلسطيني داخلي" في خطاب بعض الأنظمة. القرصنة الإسرائيلية لأموال المقاصة، وحصار نابلس، وحرب الإبادة في غزة، وقصف لبنان، وسوريا وغيرها، كلها جرائم تقع في ظل "صمت عربي" هو في الحقيقة ثمرة هذا التمزيق الممنهج.
الخلاصة:
إن إسرائيل تبني أمنها على ركام الوحدة العربية، وبعض الحكام يبنون عروشهم على عجز شعوبهم عن التوحد. ولن ينكسر هذا القيد إلا بعودة الوعي الشعبي العابر للحدود، الذي يدرك أن "أمن نابلس هو من أمن القاهرة، وكرامة غزة هي من كرامة الرياض".
تعليقات