لجنة الانتخابات الفلسطينية: نزاهة مشروطة في زمن الانقسام
لجنة الانتخابات الفلسطينية: نزاهة مشروطة في زمن الانقسام
تُعد لجنة الانتخابات المركزية الفلسطينية بمثابة صمام أمان يفترض به أن يضمن الانتقال السلس والعادل للسلطة، خاصة في ظل انقسام جغرافي وسياسي حاد. ولكن مع تزايد الاتهامات بوجود شبهات الفساد الإداري والمحسوبية داخل مؤسسات وطنية، يطرح السؤال: هل يمكن للجنة انتخابية يحيط بها الشك في النزاهة أن تكون قادرة على إجراء انتخابات مقبولة وطنياً؟ إن الإجابة تتعلق بالشرعية أكثر من القدرة الفنية؛ ففي الحالة الفلسطينية، تفقد الانتخابات قيمتها الجوهرية إذا لم تحظَ بثقة جميع الأطراف المتصارعة. وخاصة ان الرئيس السابق لها عمل على اقصاء بعض الموظفين لاسباب شخصية وغير مبررة، وكذلك تصرفات المدير التنفيذي السابق التي ارهقت اللجنة وصعبت عملها.
1. معايير النزاهة في سياق الانقسام
الانتخابات الفلسطينية ليست حدثاً محلياً عادياً، بل هي مشروع وحدة وطنية. وهذا يفرض معايير قصوى للحياد على اللجنة:
ضرورة قبول الأطراف المتنازعة: في ظل الانقسام بين الضفة وغزة، يجب أن تكون اللجنة محايدة بالكامل لضمان قبول نتائجها من قبل حماس وفتح والفصائل الأخرى. أي شبهة محسوبية تجاه السلطة التنفيذية في رام الله تعطي الطرف الآخر ذريعة فورية لرفض النتائج.
الاستقلالية عن النفوذ المالي: تعتمد اللجنة على التمويل، وغالباً ما يكون هذا التمويل خاضعاً لسيطرة الحكومة التنفيذية. هذا الاعتماد المالي يمكن أن يُستغل لفرض أجندة سياسية، مما يهدد استقلال قرار اللجنة.
التعقيدات اللوجستية والأمنية: لا تقتصر قدرة اللجنة على الجانب الإداري والمالي فحسب، بل تمتد إلى القدرة على تذليل العقبات الأمنية الإسرائيلية في القدس والضفة، وهو ما يتطلب قيادة ذات شرعية وطنية قوية للتفاوض مع الأطراف الخارجية.
2. الفساد والمحسوبية: تهديد من الداخل والخارج
تتأثر لجنة الانتخابات الفلسطينية بالبيئة المؤسسية المحيطة بها، والتي تشوبها شبهات الفساد في التعيينات والمناقصات:
المحسوبية في التعيينات: يشير النقاد إلى أن التعيينات في المناصب العليا والمتوسطة داخل اللجنة قد تخضع لمعايير الولاء السياسي أو المحسوبية الفصائلية، بدلاً من الكفاءة المهنية المحايدة. وهذا يهدد شفافية التعامل مع قوائم المرشحين والناخبين.
اذ تم تعيين المدير التنفيذي الحالي وهو غير كفؤ مباشرة دون الاحتكام الى القانون واجراءات الانظمة الداخلية المزعومة، وكذلك تعيين كافة مدراء المقر العام والدوائر بعيدا عن التنافس المشروع، وايضا تعيين طواقم تنفيذية، ومنذ سنوات طويلة لم نرى اعلان توظيف واحد للجنة الانتخابات على الرغم من الاستمرار بعملها وصرف موازنات ذات قيمنة عالية اكثر من المعتاد في مؤسسات وطنية شبيه.
ايضا تعيين اعضاء اللجنة لم يكن على معايير محددة وخاصة ان بعضهم شغل مناصب حكومية كوزراء وغيره، وهم بذلك يعملون على برنامج سياسي محدد لاحد الفصائل ولا يجوز تعيينهم في مؤسسة لجنة الانتخابات التي يجب ان تكون حيادية ونزيه.
توجيه العطاءات والموارد: يمكن أن يؤدي استغلال المناصب العليا لتوجيه المناقصات الخاصة بالمواد الانتخابية (صناديق، أوراق اقتراع) لشركات مقربة إلى هدر المال العام وزيادة الشكوك حول دوافع اللجنة.
التغطية على التجاوزات: في ظل ضعف الرقابة البرلمانية (بسبب تجميد المجلس التشريعي)، لا توجد آلية قوية لمحاسبة أعضاء اللجنة او موظفيها أو إجبارهم على الإفصاح المالي، مما يفتح الباب للتجاوزات.
3. عواقب فقدان الثقة: العودة إلى المربع الأول
إن أخطر نتيجة لضعف أو فساد اللجنة هي فشل الهدف الأسمى للانتخابات:
فشل التوافق الوطني: إذا لم يثق القطب المعارض (اليسار والقوى الأخرى) في نزاهة اللجنة، فإن النتائج ستُرفض بشكل قاطع، مما يُكرس الانقسام السياسي والجغرافي بدلاً من معالجته.
مثال 2021: على الرغم من جهود اللجنة الفنية، إلا أن عملية 2021 توقفت لأسباب سياسية وأمنية، لكن أي محاولة جديدة لن تنجح إلا إذا تمكنت اللجنة من بناء جدار ثقة صلب يحميها من الشكوك المتبادلة بين الفصائل.
فقدان الدعم الشعبي: يرى المواطن أن العملية الانتخابية مجرد تجميل للوضع القائم، مما يؤدي إلى تراجع المشاركة في الاقتراع، وبالتالي إضعاف شرعية أي سلطة قادمة.
الحل: التطهير والتوافق الوطني أولاً
لا يمكن أن تكون لجنة متهمة بالفساد أو المحسوبية "قادرة" على إجراء انتخابات تُفضي إلى وحدة وطنية. إن القدرة هنا مرادفة للنزاهة:
إعادة تشكيل اللجنة: يجب أن يتم إعادة تشكيل اللجنة بأعضاء يتمتعون بإجماع وطني كامل على حيادهم وكفاءتهم، بعيداً عن الكوتا الفصائلية أو المحسوبية.
الرقابة المالية الدولية: إخضاع ميزانية ونفقات اللجنة لرقابة وطنية مستقلة وشفافة، لضمان عدم استغلال أي مبالغ لخدمة أجندات خاصة.
إجراء إصلاحات هيكلية : لا يمكن إصلاح اللجنة الانتخابية بمعزل عن إصلاح باقي أجهزة السلطة التنفيذية والقضائية، لضمان أن النتائج الانتخابية لن تُفسدها الأجهزة التنفيذية لاحقاً.
الخلاصة: إن الانتخابات الفلسطينية هي مفتاح الشرعية والوحدة. وعليه، يجب أن تكون اللجنة الانتخابية فوق الشبهات تماماً. إن إجراء انتخابات في ظل شكوك حول النزاهة سيقود حتماً إلى نتائج مرفوضة وإلى تأبيد للانقسام بدلاً من إنهائه. العدالة والنزاهة هما شرطان أساسيان لتحويل الانتخابات من مجرد إجراء فني إلى عملية سياسية ناجحة.
تعليقات