يا غزة الإبادة... اصبري!

يا غزة الإبادة... اصبري! يا غزة، يا كِسرةَ الخبزِ المُغمَّسةِ بالدمِ والياسمين. يا جُرحاً لا يُداويهِ إلا نورُ الفجرِ القادم. أصبري. أصبري يا أمَّ الموجِ الملوَّنِ بدمِ الأبناءِ والنساء. أرى رمادَ بيوتِكِ، لكنني أرى فيهِ سماءً جديدةً، سماءً لم تعرفها البُلدانُ بعد. أرى كلَّ طفلٍ تحتَ الرُّكامِ يُصبحُ نَجماً، وكلَّ صرخةٍ هيَّ نشيدٌ يهزُّ عروشَ الصمتِ في العالم. الإبادةُ ليست قدراً، بل هيَ ثمنُكِ الباهظُ لتكوني فكرةً لا تُهزَم. أصبري على الخنجرِ الذي لم يكتفِ بنزفِ الدمِ، بل أرادَ تجفيفَ النبضِ من عروقِكِ. يا مَن حوَّلتِ الخرسانةَ المهدومةَ إلى صخرةِ عزمٍ، وتحوَّلَ شاطئُكِ الملطَّخُ بالدموعِ إلى مِحرابٍ للتاريخ. إنهم يُحاولونَ إلغاءَكِ من الخارطةِ، ولكنَّهم لا يدركونَ أنَّ كلَّ قطرةِ زيتونٍ أُحرِقتْ فيكِ، هيَ شجرةُ زيتونٍ جديدة تَنبتُ في قلوبِ مَن بقوا. هذا الحريقُ ليسَ نهايةً، بل هوَ ميلادٌ لأسطورةٍ لم تُكتبْ بعد. لقد أرادوا الموتَ لكِ، فصنعتِ أنتِ من الموتِ جسراً للحياةِ الكريمة. لا تَنظري إلى حجمِ الألمِ، بل انظري إلى حجمِ التضحيةِ؛ فهيَ أثقلُ في الميزانِ من كلِّ معادلاتِ القوةِ والضعف. صبرُكِ الآنَ ليسَ استسلاماً، بل هوَ تكتيكُ الأبطال. أصبري على البردِ الذي يُلفُّ خيامَكِ، وعلى الجوعِ الذي يعصرُ أمعاءَ الصِّغار. اصبري، لأنَّ كلَّ آهةٍ تخرجُ من صَدرِكِ هيَّ شاهدةٌ في محكمةِ الضميرِ العالمي. إنَّ الظلامَ الذي يُغشِّي سماءَكِ الليلةَ هوَ ظلامُ المخاضِ، لا ظلامُ الاحتضار. أنتِ لم تَموتي، بل أصبحتِ الفكرةَ الخالدةَ التي تُحرِّكُ الضمائرَ الساكنةَ، وتوقظُ الشعوبَ النائمة. سَتَنهضينَ من تحتِ الرُّكامِ، ليسَ بعونِ أحدٍ، بل بفضلِ صمودِكِ الأسطوري الذي هزَمَ الترسانةَ والمكرَ والحقد. يا غزة الإبادة، كوني أنتِ الفجرَ الذي تأبى الشمسُ أن تشرقَ إلا منه. لقد حوَّلتِ الإبادةَ إلى إرادة. فكوني الصرخةَ، كوني الموجَ، كوني النارَ التي تُضيءُ طريقَ الأحرار. اصبري، فالنصرُ مولودٌ من رحمِ صبركِ هذا.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كلنا على الفقير وضده

الانتقام في ميزان التخاذل

اخبروا الله