الفلسطينيون بين الصمود التاريخي والفشل السياسي
الفلسطينيون بين الصمود التاريخي والفشل السياسي
يطرح سؤال "الفشل السياسي الفلسطيني" نفسه بقوة في مطلع عام 2026، خاصة مع مرور عقود على توقيع اتفاقيات أوسلو وصولاً إلى الحالة الراهنة التي تتسم بالانقسام وانسداد الأفق. إلا أن تحليل هذا "الفشل" يتطلب نظرة عميقة تتجاوز السطح، لتفرق بين عجز الأدوات السياسية وبين عدالة القضية. وإليكم مقال تحليلي يرصد مسببات التعثر السياسي الفلسطيني من زوايا مختلفة:
المأزق السياسي الفلسطيني: قراءة في أسباب التعثر والانسداد
بينما يمتلك الفلسطينيون واحدة من أكثر القضايا عدالة وحضوراً في الوجدان العالمي، إلا أن "المؤسسة السياسية" الفلسطينية تعيش حالة من التراجع الملحوظ. ويمكن حصر أسباب هذا الإخفاق في أربعة محاور رئيسية:
1. فخ "أوسلو" وتحول الثورة إلى سلطة
كان التحول من "حركة تحرّر وطني" تقاوم من الخارج إلى "سلطة حكم ذاتي" تحت الاحتلال هو المنعطف الأخطر.
الارتهان الاقتصادي والأمني: أصبحت السلطة الفلسطينية مقيدة باتفاقيات (مثل بروتوكول باريس الاقتصادي) جعلت بقاءها مرهوناً برضا الطرف الآخر (إسرائيل) والممولين الدوليين، مما أفقدها القدرة على اتخاذ قرارات سياسية مستقلة وجريئة.
تضخم البيروقراطية: تحولت النخبة السياسية من قيادة نضالية إلى جهاز إداري ضخم يستهلك الموارد ويخشى على امتيازاته، مما أدى إلى فجوة ثقة هائلة مع الشارع.
2. الانقسام "الجغرافي والسياسي" (الشرخ الكبير)
يعد الانقسام بين الضفة وغزة منذ عام 2007 الضربة القاضية للتمثيل السياسي الموحد.
تعدد المرجعيات: وجود سلطتين ببرنامجين متناقضين (واحد يؤمن بالتفاوض والآخر بالمقاومة المسلحة) جعل العالم يتعامل مع "شظايا سياسية" بدلاً من "كيان وطني واحد".
تآكل الشرعية: مع غياب الانتخابات العامة لسنوات طويلة (حتى المحاولات الجارية في 2026)، فقدت المؤسسات الفلسطينية (المنظمة والسلطة) تفويضها الشعبي، مما أضعف موقفها في المحافل الدولية.
3. غياب "الرؤية الاستراتيجية" الشاملة
تعاملت القيادات الفلسطينية مع الأحداث بردات الفعل بدلاً من المبادرة.
الرهان على حصان واحد: لسنوات طويلة، تم الرهان كلياً على الوساطة الأمريكية (التي ثبت انحيازها) دون تفعيل حقيقي لأوراق القوة الأخرى (مثل المقاطعة الدولية، أو المقاومة الشعبية الشاملة، أو ملاحقة الاحتلال في المحاكم الدولية بشكل منهجي ومستدام).
إهمال العمق الشعبي: تراجع دور "منظمة التحرير" كبيت جامع لكل الفلسطينيين في الشتات والداخل، مما أفقد القضية زخمها الجماهيري المنظم.
4. التفوق الجيوسياسي وانحياز القوى العظمى
لا يمكن لوم الفلسطينيين وحدهم دون النظر إلى ميزان القوى.
الدعم غير المشروط لإسرائيل: اصطدمت السياسة الفلسطينية بجدار صلب من الدعم الأمريكي والأوروبي لإسرائيل، والذي تجلى في استخدام "الفيتو" ضد أي اعتراف بالدولة أو محاسبة للاحتلال.
تغير الأولويات الإقليمية: موجات التطبيع والاضطرابات في الدول العربية جعلت القضية الفلسطينية تتراجع في سلم أولويات المنطقة، مما أفقد المفاوض الفلسطيني "الظهير العربي" القوي.
هل هو فشل أم "استعصاء"؟
يرى بعض المحللين أن ما يمر به الفلسطينيون ليس "فشلاً" بالمعنى المطلق، بل هو "استعصاء سياسي" ناتج عن مواجهة نظام استعماري فريد مدعوم عالمياً. فالفلسطينيون نجحوا في "البقاء" وإفشال مخططات التهجير وتصفية القضية، لكنهم فشلوا في ترجمة هذا الصمود إلى "مكاسب سياسية" ملموسة على الأرض.
الطريق نحو الإصلاح في 2026:
الخروج من هذا النفق يتطلب ثلاث خطوات جذرية:
إعادة بناء المنظمة: لتشمل كافة القوى الحية (بما فيها حماس والجهاد والشباب) تحت برنامج وطني موحد.
الانتخابات الشاملة: لاستعادة الشرعية الشعبية وتجديد الدماء في القيادة.
فك الارتباط التدريجي: تقليل الاعتماد على المقاصة الإسرائيلية والمعونات المشروطة لبناء اقتصاد صمود حقيقي.
الخلاصة: السياسة هي "فن الممكن"، وفشل الساسة الفلسطينيين يكمن في أنهم حصروا أنفسهم في "ممكنات" رسمها لهم الخصم، بدلاً من خلق "واقع جديد" يفرضه الشعب.
تعليقات