هل تخشى حركة فتح الكفاءات؟
هل تخشى حركة فتح الكفاءات؟
الحديث عن علاقة حركة فتح بـ الكفاءات (سواء الأكاديمية أو المهنية) هو موضوع جدلي قديم متجدد، تزايدت حدته مع اقتراب استحقاقات عام 2026. لا يمكن القول إن الحركة "تخشى" الكفاءات بالمطلق، فالحركة تضم في صفوفها آلاف المبدعين، لكن "الأزمة" تكمن في آليات التوظيف السياسي وتوزيع مراكز القوى. وإليكم تحليل للأسباب التي تجعل هناك "جفوة" أو "خشية" متبادلة بين التنظيم وبين الكفاءات المستقلة:
1. صدام "الولاء" مع "الكفاءة"
في التنظيمات الشمولية أو العريقة مثل فتح، غالباً ما تُعطى الأولوية لـ "الأقدمية النضالية" و "الولاء التنظيمي".
المعادلة الصعبة: الكفاءة بطبيعتها تميل للاستقلالية والاعتماد على الإنجاز، بينما يميل التنظيم للاعتماد على "السمع والطاعة". عندما تأتي كفاءة من خارج "الديوان التنظيمي" لتستلم منصباً قيادياً، يرى فيها "الحرس القديم" تهديداً لمكانتهم التاريخية.
النتيجة: يتم تهميش الكفاءة لصالح "الموثوق تنظيمياً"، خشية من أن تؤدي استقلالية الكفاءة إلى قرارات لا تخدم التوازنات الحزبية.
2. البيروقراطية وحماية "المكتسبات"
تحولت فتح عبر "السلطة الفلسطينية" إلى جهاز إداري ضخم.
تضارب المصالح: الكفاءة الحقيقية تسعى عادةً للإصلاح الإداري، ومحاربة الترهل، والشفافية. هذه المبادئ تصطدم مباشرة مع "شبكة المصالح" التي تشكلت عبر عقود.
الخشية من المحاسبة: وجود كفاءات حقيقية في مراكز صنع القرار يعني وضع معايير أداء صارمة، وهو ما قد يكشف ضعف أداء القيادات التقليدية التي تعتمد على "الشرعية الثورية" لا "الشرعية الإنجازية".
3. "الفوبيا" من البديل (القيادات الشابة)
هناك خشية داخل أروقة الحركة من أن بروز كفاءات شابة وناجحة قد يسحب البساط من القيادات التاريخية.
صراع الأجيال: الكفاءات غالباً ما تكون مرتبطة بـ "لغة العصر" (التكنولوجيا، الاقتصاد الرقمي، الخطاب الدولي الجديد)، وهذه اللغة تفتقدها أجزاء واسعة من القيادة الحالية، مما يخلق شعوراً بـ "الغربة" والتهديد الوجودي للمكانة السياسية.
4. تجربة "التكنوقراط" المرة
تستحضر حركة فتح دائماً تجارب سابقة (مثل حكومة سلام فياض) حيث شعرت الحركة أن "الكفاءات" قد تختطف القرار الوطني أو المالي بعيداً عن الرؤية السياسية للحركة.
الخشية من "التغريب": هناك اتهام دائم (سواء كان صحيحاً أو لا) بأن بعض الكفاءات "مدعومة دولياً" أو تنفذ أجندات الممولين، وهو ما تستخدمه الحركة لتبرير إبعادهم عن دوائر القرار السيادي.
5. أزمة "النظام الداخلي"
تعاني الحركة من تعطل أدوات التجديد (مثل المؤتمرات الحركية الدورية والانتخابات). في غياب "صندوق الاقتراع" الداخلي، يصبح الصعود للمناصب معتمداً على "التعيين" و"التقريب"، وهي بيئة طاردة للكفاءات التي تحترم كرامتها المهنية ولا تقبل بـ "مسح الجوخ" للوصول.
هل هناك بوادر تغيير في 2026؟
مع الضغوط الشعبية والدولية لإجراء "إصلاحات جوهرية"، بدأت تظهر داخل فتح أصوات تنادي بضرورة:
دمج الكفاءات: ليس فقط كمستشارين، بل كأصحاب قرار.
الفصل بين التنظيمي والخدماتي: بحيث تُترك إدارة المؤسسات للكفاءات، ويُترك العمل السياسي للتنظيم.
الاستعداد للانتخابات: تدرك الحركة أن الشارع في 2026 لن يصوت لـ "الشعارات"، بل سيبحث عن "من يقدم الخدمة الأفضل"، وهذا لا يتم إلا عبر الكفاءات.
الخلاصة: فتح لا تخشى الكفاءة لذاتها، بل تخشى "التغيير" الذي تفرضه الكفاءة على هيكلية القوة التقليدية. الإبقاء على الكفاءات بعيداً هو وسيلة للحفاظ على "الستاتيكو" (الوضع القائم)، لكنه في المقابل يضعف الحركة أمام منافسيها وأمام الشعب.
تعليقات