الخطاب الديني واثره على الدولة الحديثة
الخطاب الديني واثره على الدولة الحديثة
المحامي
سمير دويكات
لنكن واقعيين انه في اعقاب انهيار الدولة
العثمانية التي كانت تشكل المسمى الاخير للخلافة الاسلامية والتي ضمت العرب وغيرهم
تحت لواء الدولة المسلمة لم تنشا بعدها اي دولة عربية بالمفهوم الوطني او العلماني
او اليساري بشكلها السليم بل تشكلت فيما بعد دول قائمة على التسلط وديكتاتوريات
الحكم او الفساد وغيرها ولم نر اي دولة ديمقراطية او فيها تنمية ذات ابعاد حقيقية
او عيش كريم او غيره.
انما في اوروبا ذهبوا الى حكم انفسهم بقوة
القانون وسيادته وصنعوا دول تستحق الاحترام حتى كانت ملاذ للمسلمين لتوفر العدالة
وحكم القانون والتنمية، لكن ما الذي جرى مع العرب ولماذا لم يستطيعوا ذلك؟ لنفهم
اكثر في اوروبا وفي اعقاب الثورة الصناعة والثورة الفرنسية في نهاية القرن الثامن
عشر، قامت الثورة على اساس ان الدين لله ولا يجوز ان يخرج من الكنيسة وبالتالي فان
الاعمال في الدولة والمرتبطة بحياة الناس حكمتها القوانين والعادات لمختلف العلوم
دون تدخل رجال الدين والذين كان لهم سلطات واسعة في كل شىء حتى في منح صكوك غفران
لدخول الجنة وهذا لم يرد في اي من الاديان السماوية وهي بالتالي كانت من صنع رجال
الدين والذي ادى الى فيضان الغضب لدى الناس فاجبروهم على التزام دين الكنيسة دون
التدخل في امور الناس.
في البلاد العربية وبفعل الاحتلال
الاستعماري لكل البلاد وخاصة في فترة التقسيم الذي طال معظم الدول العربية بين فرنسا
وبريطانيا نمت هذه الدولة على اساس الوطنية وبميل واضح للعلمانية دون دراستها
ومعرفة عوالمها وتفاصيلها مما ادى الى قيام وخروج منطلقين الاول يساري علماني
والثاني ديني، وبدا الصراح في الدولة على هذه الاساس، والتيار الديني هو ما قادته
حركة الاخوان المسلمين انذاك واختفت بعد فترة حكم جمال عبد الناصر ولكن في اوائل
التسعينيات عادت بقوة وبظهور حركات اسلامية من بطنها بمسميات اخرى.
ربما ذلك كان بسبب قوة الاسلام وتاثيره في
حياة الناس وما تركه من ارث كبير من الكتب الفقهية واحاديث النبي محمد والقران
نفسه الذي بقي دون تحريف وما كان له من تاثير كبير على كل الاجيال حتى امتد الى
بلاد كثيرة غير اسلامية وحمله الناس دون محاربة انما بالكلمة الطيبة، والاسلام لا
يقبل التجزاة اما ان تحكم به او لا وفي ظل التشبع الذي ملأ عقول الناس منه فلم
تستطع الدولة الوطنية الخلاص منه وعليه يرد في كل الدساتير العربية ان الدين
الاسلامي مصدر اساسي للتشريع وهو ما يجب ان يكون عليه القانون عندما يصدر لكن
تطبيق ذلك لم يتم وتم تجاوز احكام الاسلام وخاصة في القوانين الجزائية، فبقيت
الدولة ذات بناء منقوص من حيث انه لم تطبق الاسلام كاملا ولم تترك الاسلام فبقي
الخطاب الديني موجود وخاصة ان هناك مظاهر شكلية للدين مثل المساجد والصلوات وخطبة
الجمعة من كل اسبوع ولها تاثير كبير، فادى ذلك الى خلق مواطن مشوش الفكر بين تطبيق
قوانين الدولة او الالتزام باحكام الدين وهذا الذي ادى بالدول العربية الى ما هم
عليه من قتال وتدمير وارتكاب الكثير من الجرائم.
بالتالي المسالة شديدة التعقيد وتشكل ازمة
خانقة في حياة الناس لا تحل الا باستراتيجية وطنية، وربما اخذ مثال تركيا الحديثة
كيف انها في شد وارتخاء في تطبيق الشريعية وهو كذلك ليس بالامر الهين وانما كما
قال زعيمها انها دولة علمانية، على الرغم من المظاهر الدينية وان الدين اكثره
معاملات واسلوب حياة وما يتعلق باحكام العبادة ليست باكثر من تادية العبادات في
حدود معقولة.
ان المسالة شائكة مرة اخرة وواجبة البحث عن
حلولها في كثير من الامور ولا يجب ان تستمر لاننا سنبقى في نفس الدائرة العقيمة
والصعبة، اما ان يطبق الاسلام بكل احكامه وقمع مستغلي الدين او ان يذهب الى تطبيق
القانون وسيادته وان يترك الدين في العبادات للمسجد والنفس البشرية. وهو ما يؤدي
على ابقاء الدولة فاسدة وظالمة ما دام لا يحكمها الدين الصحيح او سيادة القانون
والديمقراطية السليمة. فبلاد الغرب تحكم باخلاق الاسلام كامل والقواعد الطيبة التي
جاء بها الاسلام وطبقت في التاريخ الاسلامي الطويل موجودة لديهم وليست موجودة
لدينا، ومثال عليها الضمان الاجتماعي والعيش الكريمة والمساواة وغيرها.
تعليقات