السلطة التنفيذية وحركة فتح ونزار بنات
السلطة التنفيذية وحركة فتح ونزار بنات
المحامي سمير دويكات
اتذكر قبل عشرين عام وربما اكثر عندما كنا في جامعة النجاح الوطنية، وقد كانت هذه التجاذبات وقتها لا تقل عما يحصل في الشارع اليوم، السلطة الوليدة جاءت باتفاق اوسلو والذي لم نكن وقتها على علم كامل به ولكن كانت السلطة تحرص على الالتزام بمضمون الاتفاقيات كما جاء بها الاتفاق، وغالبية الشعب الفلسطيني كان ضد الاتفاق لأنه في وقتها ظهر بوادر كبيرة على تطبيقه على الارض ومنها ان تطبيقه يستدعي تدخل اسرائيل بمنع أي حراك للمقاومة، مما ادى الى التصادم بين قوات الامن الفلسطينية والشعب وهذا حصل جليا في اقتحام جامعة النجاح الوطنية واعتقال مئات الشباب، ووقتها ودون تذكر السنة بالتحديد، دخل علينا اعضاء في الاجهزة الامنية لاعتقال ناشط لم يكن موجود عندنا وانما كان موجود في احد البنايات القريبة، فطلبنا وقتها منهم مذكرة تفتيش لكن لم يكونوا يحملونها، كون اننا كنا طلاب قانون وكان قانون الاجراءات الجزائية جديد بعد سنوات من قبل المجلس التشريعي الاول، فاتفقنا على رؤية الشباب في السكن من قبل احد افراد الامن فقط وبعدها غادر رجال الامن. تلك صورة من صور الادب القانوني الذي كان يجب ان يصحح منذ ذاك التاريخ وقبله، ولكن بقي الحال على حاله وتطور باستشهاد ابو عمار وجاء الرئيس ابو مازن برؤية مختلفة نوعا ما عن السابق، فهو نطق صراحة بعدم رغبته في أي اعمال مقاومة وهو اختار طريق المفاوضات كسبيل لحل القضية الفلسطينية.
وتطور المشهد الفلسطيني بعد ذلك لإجراء انتخابات تشريعية، ونجحت حركة المقاومة الاسلامية بحصد الاغلبية من المقاعد، وهو امر كان فيه تحول جذري نحو انقلاب حقيقي في ادارة البلد، لكن بعد عام سيطرت حماس على غزة ووقع الانقسام واستمر الى يومنا هذا، وهو انقسام كان اسوا واشد على الشعب الفلسطيني من الاحتلال نفسه، وفيه هدرت الحقوق الفلسطينية كاملة وشرع الطرفان في غزة والضفة لنفسهما ان يعادوا الشعب الفلسطيني، وانتهكت الحريات وتراجع الوضع القانوني الى مستويات كبيرة، وبقي كذلك الى اليوم في تراجع كبير، وانتهك جسد السلطة القضائية وباتت الوزارات تعمل فقط على الحد الادنى، ولكن ظهر التراجع في مختلف القطاعات.
خلال ذلك جرت محاولات كثيرة لإجراء انتخابات مبكرة قبل نهاية المدة، وبعدها تم العمل على التحضير للانتخابات الى حد مراحلها النهائية ولكن كانت لظروف مختلفة يتم تأجيلها واخرها بسبب القدس، وحتى اليوم بقيت البلد بدون انتخابات، وفي سنة 2018 اقرت المحكمة الدستورية التي عليها خلاف قانوني كبير حل المجلس التشريعي وبقيت البلاد دون مشرع، وحتى قبل ذلك لم يتم عمل مجلس التشريعي سوى في غزة من اعضاء حماس يشرعون كما يريدون على خلاف الدستور.
كل هذه الامور اخذت الحال الى ابعاد خطيرة من غياب الحريات وتعديات على حقوق الانسان، ومرت القضية بظروف عصيبة فترة حكم الرئيس الامريكي ترامب وواجه شعبنا غطرسته بكل قوة، وشنت الحروب والمواجهات ضد شعبنا في كل المناطق واخرها كان قبل حوالي شهر، ولكن الدم الفلسطيني انتصر على الاحتلال، وعادت القضية الى مسارها الحقيقي واخذت وجها جديدا.
في ظل غياب الرقابة الفعالة من مجلس تشريعي منتخب او مؤسسات سوى من بعض المؤسسات الحقوقية مثل الهيئة والحق والنقابات، استمر اهدار الحقوق ووجدت الاعتقالات السياسية ومنها اعتقال الناشط نزار اكثر من مرة على خلفية الراي، ولكن القضاء نوعا ما تصدى الى هذه التصرفات واوقفها في الضفة وبقيت على حالها في غزة.
لم اكن استمتع كثيرا شخصيا بسماع نزار بنات، ولكنه مما كان يصلني من القليل منه كان ناطقا شرسا في انتقاد منظومة الحكم، وفي كل قضية كان ينشر فيديو معلقا على الاحداث واخرها كان قضية اللقاحات الفاسدة، وغيرها من التعليقات المنهجية وفق اسلوبه، فتم اصدار مذكرات اعتقال بحقه، ويم الخميس الماضي دخلت قوات امنية لاعتقاله واعلن عن وفاته بعد ساعتين من محافظ الخليل.
هبت جماهير كبيرة رفضا لما جرى وشاط الغضب وادى الى حدوث تجاذبات بين القوات الامنية والمتظاهرين وتدخل اعضاء ينتسبون لحركة فتح وتصدوا للمتظاهرين يوم امس في رام الله، وهو مشهد حزين كثيرا، وصدرت البيانات وكأن البعض استشعر ان النظام كله في خطر، وهو امر لم يكن وليد اللحظة بل سبقه احداث مقيته قبل ذلك وامتلأت السجون في غزة الضفة بالنشطاء السياسيين، وهنا لا يجب انتهاز الفرصة بالوحدة للوحدة الوطنية وتقاسم الحكم على اساس الدستور الفلسطيني ومراعاة الحقوق الخاصة بالمواطنين وفق القوانين السارية وتفويت الفرصة على الاحتلال واعوانه، لالا يحصل شرخ كبير بين الاجهزة والشعب وان يتم وئد الفتنة في مرقدها، وان يتم الاستفادة من الهبات والانتفاضات الجماهيرية ضد المستوطنين وجنود الاحتلال كما يحصل في بيتا والشيخ جراح فهي التي لا يختلف عليها احد.
وايضا ضرورة تفعيل ادوات الانتخابات وان يتم ابتكار طرق جديدة في تجديد الشرعيات القانونية بعيدا عن الاحتلال وان يصار الى خطة وطنية شاملة بمشاركة الجميع وليس فقط امناء فصائل لا قوة ولا حولة لهم سوى التأييد دون وعي او دون تحليل او بعيدا عن طموحات شعبنا. لذا مطلوب من لجنة الانتخابات ان تتصدى الى ايجاد حلول عملية بتوافق فلسطيني من اجل انجاز الانتخابات في اسرع وقت ممكن.
وهنا لابد من القول ان حركتنا العظيمة حركة فتح لن تقبل الاعتداء على المواطنين واعضاءها لم يقبلوا ما جرى مع نزار، وان السلطة مشروع وطني كان الغرض منه الوصول الى دولة فلسطينية ذات سيادة وليس شيء غير ذلك، وان من حق الناس ان يمارسوا حقوقهم الدستورية والقانونية بحرية كاملة، وان الاعتداء عليهم هو اعتداء على الشعب الفلسطيني برمته، وان كان البعض يريد ان يجرنا الى معارك جانبية فهو واهم، وان الكل الفلسطيني يحتكم الى القانون والدستور، وان بوصلتنا ستبقى موجهة نحو الاحتلال في انهاءه واقامة مشروعنا الوطني بدولة فلسطينية مستقلة.
فالطفل الذي يواجه المستوطنين وجنود الاحتلال في بيتا عاري الصدر يستحق ان يكون لديه دولة ذات سيادة يحكمها سيادة القانون فقط دون غيرها، وانه يجب تفعيل ادوات المقاومة ضد الاحتلال نحو استراتيجية وطنية قادرة على تغيير لعبة الاحتلال الذي يتمتع بالوضع الموجود وان يكون الهدف الواحد والوحيد لأبناء شعبنا هو ازالة الاحتلال نهائيا.
تعليقات